بيروت - لبنان 2021/12/03 م الموافق 1443/04/27 هـ

سيف القذافي وسيف العدالة

حجم الخط

شد الحبلِ متواصل بين محكمة الجنايات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان العالمية، وبين مختلف الحكومات الليبية، بخصوص الوضعية القانونية لسيف الإسلام القذافي، الناجمة عن طلب المحكمة الجنائية الدولية ضرورة مثوله أمامها للتحقيق في تهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية. ولم تتوفر بعد مؤشرات تدل على قرب وصول الإشكال إلى نهاية أخيرة. هذه الوضعية انعكست حالياً، وبشكل سلبي، على تقدمه للترشح للانتخابات الرئاسية في ليبيا المقرر عقدها في الأسبوع الأخير من الشهر المقبل. الحكومات الليبية على اختلافها ترى أن ليبيا أولى بمحاكمته. لكن ظهور سيف الإسلام مؤخراً من مخبئه، عقب سنوات طويلة، أمام لجنة تسجيل انتخابية، في مدينة سبها بجنوب ليبيا، لتقديم مسوّغات ترشحه للرئاسة في الانتخابات الرئاسية المقررة يوم 24 ديسمبر (كانون الأول) 2021، فاجأ الجميع، وخلق حالة من التوتر والإرباك. منظمة العفو الدولية (أمنستي إنترناشيونال) أصدرت، يوم الاثنين الماضي، بياناً قالت فيه إن ترشح سيف الإسلام القذافي للانتخابات الرئاسية إفلات من العقاب. منظمة «هيومان رايتس ووتش» كذلك حرصت بدورها على إصدار بيان مماثل. مكتب النائب العام في ليبيا أصدر في عام 2017 قراراً بضرورة مثوله للتحقيق، ولم يبادر مؤخراً بالتحرك بإصدار بيان أو تصريح حول ظهور القذافي النجل المفاجئ، في حين أن المفوضية العليا للانتخابات في ليبيا قالت في بيان أصدرته إن مسوّغات سيف القذافي، التي قدمها إلى مكتب اللجنة الانتخابية، في مدينة سبها، صحيحة قانونياً، وتتفق والشروط المطلوبة للترشح. من ضمن المسوّغات المطلوبة شهادة بالحالة الجنائية للمترشح. تصريح المفوضية يعني فعلياً أن شهادة الخلو من السوابق الجنائية التي قدمها سيف القذافي ليس بها ما يشير إلى ارتكابه لأي جرائم جنائية، وصدور أحكام قضائية بشأنها ضده.

 
لغز الوضعية القانونية للمترشح سيف الإسلام معمر القذافي، ما زال غامضاً، رغماً عن بيان المفوضية العليا للانتخابات. إلا أن أحقيته في خوض الانتخابات الرئاسية لم يعد في حكم المؤكد، وفقاً لبيان منظمة العفو الدولية ومنظمة «هيومان رايتس ووتش». ومن جانب آخر، فإن سيف القذافي، في فترة سابقة، ذكر في مقابلة أجريت معه، في صحيفة بريطانية، أن قرار المحكمة الجنائية الدولية بالتحقيق معه لن يمنعه من الترشح. ولم يصدر عنه شخصياً أو من يمثله بيان أو تصريح يفند بياني المنظمتين الحقوقيتين. ومنذ أن غادر مقر لجنة التسجيل في عاصمة الجنوب المدينة الصحراوية سبها، التي تبعد عن العاصمة طرابلس مسافة 900 كيلومتر تقريباً، اختفى مثل فص ملح في كأس ماء فاتر. ولا أحد بمقدوره التكهن بموعد طفوه ثانية على السطح، والتنبؤ بما ستفعله الجهات الأمنية الرسمية من إجراءات، لو حدث ذلك.
ردود الفعل التي أثارها ظهوره المفاجئ، بملامح متجهمة، وحرصه على الظهور، أمام عدسات التصوير، بقيافة تذكر بما كان يرتديه والده من أزياء لافتة للأنظار، وإعلان ترشحه للرئاسة، كانت مختلفة في ليبيا وخارجها. في مدينة سرت، موطن قبائل القذاذفة، الذين ينتمي لهم، عمت المسيرات الشعبية المؤيدة لترشحه شوارع المدينة. ونقلت مواقع التواصل الاجتماعي في الشبكة الدولية شرائط مسجلة لتلك المسيرات. ويقال إن بعضاً من مناصريه في شرق البلاد، ظهروا يحملون أعلاماً خضراء. وفي مدينة الزاوية على بعد 40 كيلومتراً غرب العاصمة طرابلس خرجت مظاهرة حاشدة منددة بترشحه، وأعلن «قادة ثوار الزاوية» رفضهم ترشحه، وكذلك ترشح المشير خليفة حفتر، وهددوا بعدم فتح المراكز الانتخابية داخل المدينة، ما لم تجرِ الانتخابات على قاعدة دستورية متفق عليها. واختارت العاصمة طرابلس الركون إلى مراقبة الموقف، وبصمت مريب.
وخارجياً، قالت وزارة الخارجية الأميركية «إنها تشارك الكثير من الليبيين مخاوفهم من أن يصبح مرشح متورط في جرائم ضد الإنسانية رئيساً لهم». وأضافت: «إن نجاح عملية الانتقال السياسي في ليبيا تتطلب محاسبة مرتكبي جرائم حقوق الإنسان». وزارة الخارجية البريطانية لم تصدر بياناً حتى وقت كتابة هذه السطور، لكن صحيفة «التايمز» البريطانية في افتتاحية لها قالت إن «ليبيا متشظية جداً لينقذها نجل ديكتاتور سابق... ومن السذاجة اعتبار نجل القذافي يمسك بالمفتاح، وأن بلداً مثل ليبيا سيتمكن تحت قيادته من اكتشاف هدف مشترك، أو طريق واضح نحو بناء دولة لأمة متماسكة.... ولا توجد إشارة بتاتاً تبرهن على أن (سيف) يملك الدهاء أو البراعة العسكرية لخلق دولة موحدة... وهو يتبجح بأنه يريد إنقاذ بلد أبيه، وفي الحقيقة فإنه يريد إنقاذ نفسه». وطالبت الصحيفة، الحكومة البريطانية، بالتفكير مرتين قبل تقديم دعمها، أو منح مشروعية لقادة طموحين يدعون بأنه لا غنى عنهم لمستقبل دول ساعدوا في الماضي على تدميرها.
وعلى عكس واشنطن، تلقي موسكو، بثقلها خلفه، وتسعى لفرضه على المسرح. لكن يبدو أن نجل القذافي، بظهوره المفاجئ مؤخراً، قد جازف، بعد عملية حسابية دقيقة، بوضع كل بيضه في سلة واحدة، على أمل أن يضرب عصفورين بحجر واحد: أن يفوز في الانتخابات الرئاسية، وينجو برأسه من نصل سيف العدالة في آن معاً.

المصدر: الشرق الأوسط


أخبار ذات صلة

معوّض يعلّق على استقالة قرداحي.. «بئس هكذا ممانعة»
العربية: الحوثيون يدعون الحرس الثوري وميليشياته في العراق ولبنان إلى [...]
حركة طالبان تصدر مرسوما تمنع فيه الزواج القسري للفتيات