منذ بداية الأزمة الاقتصادية في لبنان، اعتاد اللبنانيون على مشهدٍ يتكرر بلا حسيب ولا رقيب: كلما ارتفع سعر الدولار، ارتفعت أسعار السلع أضعافاً مضاعفة، من دون أي تبرير منطقي أو رقابة جدّية. لم يكن الارتفاع متناسباً مع تقلبات سعر الصرف، بل غالباً ما تخطّاه بأشواط، مستفيداً من الفوضى النقدية وغياب الدولة الرقابي.
اليوم، وقبل إقرار أي ضريبة جديدة، بدأ بعض التجار برفع الأسعار مجدداً، وكأن القرارات لم تصدر بعد، وكأن المواطن الحلقة الأضعف المسموح استنزافها سلفاً. أما الجهات الرقابية، فلا نكاد نسمع منها سوى خطابات وتصريحات إعلامية، من دون إجراءات حاسمة تردع المحتكرين والمستغلين. المشهد يوحي وكأن هناك «تطنيشاً» متعمّداً، أو عجزاً فاضحاً عن فرض سلطة القانون في الأسواق.
إن فرض الضرائب العشوائي، في ظل هذه الفوضى، يعكس استمرار السياسة الترقعية نفسها التي اعتمدتها الحكومات المتعاقبة منذ اندلاع الأزمة. فالضرائب لا تُفرض لملء فجوة آنية في الخزينة، بل يجب أن تأتي ضمن خطة اقتصادية شاملة، واضحة الأهداف، متكاملة الأدوات، تعيد هيكلة المالية العامة، وتحفّز النمو، وتوزّع الأعباء بعدالة.
للأسف، وبعد سنوات على الانهيار، لا تزال البلاد تفتقر إلى خطة إنقاذية متكاملة. ما نشهده هو سياسة هروب إلى الأمام: قرارات متفرقة، إجراءات ظرفية، وغياب لرؤية اقتصادية تعالج جذور الأزمة. فلا تدقيق مالي جدي وشامل يحدد المسؤوليات، ولا ملاحقة فعلية للإثراء غير المشروع، ولا تفعيل حقيقي لقانون «من أين لك هذا» ليطال من استفاد من المال العام على حساب الشعب.
إن معالجة الأزمة لا تكون بتحميل المواطن المزيد من الضرائب والرسوم، فيما الهدر مستمر، والتهرّب الضريبي قائم، والمساءلة غائبة. العدالة الضريبية تعني أن يدفع القادر أكثر، وأن يُحمى ذوو الدخل المحدود من أي أعباء إضافية، لا أن يُساوى بين من يملك الثروات ومن يعيش على الحد الأدنى.
أمام هذا الواقع، يصبح السؤال مشروعاً: من يحمي المستهلك؟ ومن يراقب الأسعار؟ ومن يحاسب من استغلّ الأزمة وراكم الأرباح على حساب معاناة الناس؟
إن استعادة الثقة تبدأ بخطة اقتصادية واضحة، برقابة فعلية على الأسواق، بتدقيق مالي شفاف، وبإرادة سياسية تضع مصلحة الوطن فوق المصالح الضيقة. دون ذلك، ستبقى الضرائب عبئاً إضافياً، وستبقى الأسعار رهينة جشع البعض، فيما يدفع المواطن وحده ثمن الانهيار.
* عميد متقاعد في الجيش اللبناني