نوال أبو حيدر
في ظل الأزمة المالية المستمرة، يضع مصرف لبنان إعادة النظر في التحويلات من حسابات المودعين وفقا للتعميم 158 تحت إشراف الحكومة والمجلس النيابي، في خطوة تهدف إلى تأمين الضمانات القانونية والسيولة اللازمة قبل أي تعديل. ويأتي هذا الربط لضمان ألا تؤدي أي زيادة في السحوبات إلى استنزاف الاحتياطات المتوافرة، بما قد يعيق قدرة المصرف على تنفيذ مشروع قانون استرداد الودائع الذي يحدد سقف المئة ألف دولار لكل حساب خلال فترة زمنية محددة.
وتتجلى الإشكالية الأساسية في أن المصرف المركزي، رغم وجود طلبات برفع سقوف السحوبات، لا يمكنه اتخاذ أي خطوة قبل الحصول على موقف واضح من الحكومة والهيئة التشريعية، لأنه في حال أي تحرك أحادي قد يتعارض ذلك مع القانون المستقبلي ويؤثر على حقوق المودعين. وهذا يضع المصرف في مأزق مزدوج: بين إدارة السيولة الحالية وحماية الاحتياطيات، وضمان التزامه بالقانون الجديد الذي لم يُقر بعد، ما يطرح سؤالا جوهريا حول قدرة الدولة والمصرف على الموازنة بين الطموح الإصلاحي والسيولة الفعلية المتاحة.
بين السيولة والتشريع
من هذا المنطلق، يؤكد الخبير الاقتصادي وعضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أنيس أبو دياب، في حديث خاص لصحيفة «اللواء» أنه «فعليا، تمّت مناقشة هذا الموضوع في مجلس المصرف المركزي قبل توجّه حاكم مصرف لبنان وأحد نوابه إلى فرنسا. وقد طرحت مطالب برفع سقوف السحوبات وفق التعميمين 158 و166. لم يكن هناك رفض مبدئي للفكرة، إلا أن المشكلة الأساسية تكمن في أن السيولة المتوافرة لن تعود كافية للاستمرار في التسديد وفق هذا التوجه اي في حال تم إقرار قانون المئة ألف دولار من دون احتساب التعميميين».
في هذا السياق، يتابع: «يسعى مصرف لبنان إلى ربط أي تعديل على التعميمين 158 و166 بالحكومة أو بالهيئة التشريعية في المجلس النيابي، نظرا لوجود مشروع قانون مقدّم يتعلق باسترداد الودائع. وينص هذا المشروع، في إحدى مواده، على أن جميع الحسابات التي تبلغ 100 ألف دولار وما دون سيتم تسديدها خلال أربع سنوات، على أن تكون الدفعات الشهرية بحدّ أدنى يقارب 1500 دولار. والأهم في هذا الطرح هو أن الأموال التي حصل عليها المودعون سابقا بموجب التعميمين 158 و166 لن تحتسب ضمن هذه الـ100 ألف دولار، أي أن ما تم قبضه سابقا لا يؤثر على قيمة المبلغ الذي سيعاد دفعه، بحيث يستعيد المودع كامل المئة ألف دولار بشكل منفصل».
بناء عليه، يضيف أبو دياب: «مصرف لبنان يرى أنه لا يمكنه في الوقت نفسه رفع سقوف السحوبات وفق التعميمين، والالتزام بتغطية مئة ألف دولار لكل مودع وفق هذا المشروع. لذلك، جرى ربط هذا الموضوع بالهيئة التشريعية والسلطة التنفيذية، بانتظار الموافقة على تعديل هذا البند في القانون، ولا سيما لجهة احتساب ما دُفع سابقا ضمن إجمالي الودائع المستردة».
ضغط على الاحتياطي؟
أمام كل تلك المعطيات، يوضح أبو دياب أنه «فعليا، تؤدي أي زيادة في سقوف السحوبات إلى تأثير مباشر على الاحتياطات الموجودة لدى المصرف المركزي، إذ تساهم في تسريع وتيرة استنزافها. ومع تراجع هذا الاحتياطي، تتضاءل قدرة المصرف في المستقبل على الإيفاء بالتزاماته، ولا سيما لناحية تغطية مبلغ المئة ألف دولار الموعود ضمن مشروع استرداد الودائع».
الحكومة والمجلس النيابي: بين القانون والسيولة
وعن دور الحكومة ومجلس النواب في اتخاذ قرارات تتعلق بأموال المودعين، يؤكد أبو دياب أنه «لا يكمن دور الحكومة والمجلس النيابي في التعميمين بحد ذاتهما، بل في مشروع القانون المتعلق باسترداد الودائع. فلو لم يكن هذا المشروع مطروحا بالصيغة الحالية، والتي تقوم على إعادة مئة ألف دولار استنادا إلى حجم احتياطي معين وعلى فترة زمنية محددة، لكان بإمكان المصرف المركزي تعديل التعميم كما فعل قبل أشهر».
ويتابع: «إلا أن الواقع اليوم مختلف، إذ بات المصرف المركزي مقيّدا بهذا المشروع، الذي كان من المفترض أن يناقش في لجنة المال والموازنة قبل أن يحال لاحقا إلى الهيئة العامة. من هنا، يتعامل المصرف المركزي بحذر، تجنبا للدخول في التزامات إضافية قد تتعارض لاحقا مع قانون نافذ في حال إقرار المشروع. لذلك، يسعى إلى الحصول على موقف واضح وتأكيد من الحكومة والمجلس النيابي، بما يضمن عدم تحميله مسؤوليات لا يمكنه تلبيتها مستقبلا في حال تحول مشروع القانون إلى قانون نافذ».
ربط القرار بالسلطة: تأجيل محتمل؟
وعن ربط القرار بالسلطة السياسية، يقول أبو دياب: «لا أعتقد أن ربط القرار بالمجلس النيابي والحكومة سيسرّع الحل، فالمجلس لا يجتمع حاليا، والحكومة على ما يبدو لن تعيد صياغة القانون قريبا. ومن الممكن أن يكون الحل بطلب الحكومة من المجلس النيابي إعادة مشروع القانون وإعادة النظر في هذه المادة».ويختم: «بحسب معلوماتي الخاصة، لن يقوم مصرف لبنان بإعادة النظر في التعميم ورفع سقوف السحوبات قبل الحصول على هذه الضمانة، لأن أي خطوة قبل ذلك قد تؤثر لاحقا على إمكانية تطبيق القانون المستقبلي المتعلق باسترداد الودائع».