في رحلته إلى الشرق، زار القس الاسكتلندي فيري مونرو أحد البيوت الشامية في شهر أيار/ مايو سنة 1835، ودوّن ما شاهده من أزياء النساء في كتابه «تجوال في سوريا» قائلاً:
«في فساتينهن سيطر الحرير العادي والمطرز، وبدا أنه يشكّل جزءاً من كل ما هو خارجي ومرئي. القميص طويل جداً وفضفاض بالقرب من الكاحل. الجزء الأعلى منه منخفض من الأمام ويكشف الصدر، وفوقه رداء مطرز على شكل معطف قصير، بأكمام حتى الرسغ، مقصوصة ومفتوحة من المرفق إلى الأسفل. أما شملة الرأس فهي موضوعة إلى حد ما على جانب واحد، ومزيّنة بخيوط من اللؤلؤ ومثبّتة بدبابيس من الفيروز والزمرد. ويتم لف وشاح كشميري أو بغدادي بشكل غير محكم حول الخصر، ويمكن رؤية شبشب أصفر صغير أو قدم بيضاء صغيرة في الأسفل» [الجزء الثاني، ص 78-79].
ومما دوّنه الرحالة الشهير محمد عبد الجواد القاياتي عن عادات البيارتة في الملبس سنة 1882:
«أما عاداتهم في الملبس، فثمة - وهو الغالب - من يلبس الطربوش الإفرنجي والسترة والبنطلون ويحلق لحيته ويبقي شعر رأسه، وثمة من يرتدي القفطان (القنباز)، وفوقه الجبّة أو المضربية أو السترة الطويلة، وكلاهما ينتعل الجزمة (الليستيك)، فيما قلّة تنتعل المركوب من الفقراء. وثمة أيضاً من يتخذ البدلة العثمانية والسروال الكبير الواسع والطربوش الإسكندراني. كذلك النساء يختلف لباسهنّ، بين «الإزار الأبيض الناصع أو الملاءة الحرير»، أو المناديل الرقيقة الإسلامبولية على الوجوه، وفي الأرجل الجزم الإفرنجية بالنسبة إلى المسلمات، و«الفساتين الواسعة من الشيت والصوف الإفرنجي والحرير الملون»، مع الطرح الرقيقة أو المناديل، بالنسبة لنساء النصارى اللواتي يظهرن سافرات الوجوه...» [نفحة البشام، ص 51].
في كتابه المطبوع سنة 1896 دوّن الكاتب والصحافي الأميركي ألبرت بايسون تيرهيون Albert Pyson Terhune مشاهداته في بيروت في كتاب أسماه «سوريا من على صهوة جواد»، ومما قاله عن ملابس البيارتة في ذلك الوقت: «ناس وبيوت تتناقض مع شوارعنا الأميركية. نرى هنا مبانٍ من الحجر البني وعلى سطوحها القرميد الأحمر, ورجال يرتدون بذلات سوداء ورمادية وبنّية, فالموضة متساهلة ولا تتبدّل بسهولة. الطربوش اللامع مع العباءة ذات اللونين الأبيض والبني, والوشاح المتدلي من الكتف إلى الركبة وسترات وسراويل مختلفة حسب أذواق مرتديها من الرجال. أما أزياء نساء المدينة ومنهن المحجّبات فهي بشكل عام متعددة الألوان».
وفي عام 1867، زار بيروت الطبيب والصحافي جاكوب فريز Jacob B. Freese ونشر كتاباً عن رحلته في الشرق تحت عنوان: «العالم القديم: سوريا وآسيا الصغرى». في كتابه هذا يتحدث عن تنوّع الأزياء في شوارع بيروت والذي يرتبط برأيه بتعدّد أتباع الطوائف الدينية فيها، فيقول [عن ترجمة للباحث نبيل شحادة]: انك ترى الأتراك التقليديين يرتدون القفاطين الطويلة مع عمامات منتفخة بيضاء أو خضراء التي تحق لمن كان من عليّة القوم أو منتسبا للنبي محمد (صلى لله عليه وسلم) أو لمن حجّ بيت لله الحرام في مكة المكرمة, كما يمكنك أن ترى المسلم العادي يسير في طريقه بهدوء، يداعب بيد لحيته فيما اليد الأخرى تستند على خنجر أو على حقيبة أدوات الكتابة المعلّقة في حزامه. وفي بيروت لا ترى كثيرا من النساء يطفن في الشوارع, وجميع النساء المسلمات يخفين وجوههن بقماش من الحرير الأسود أو القطن يتدلى إلى الصدر, وإلى جانب ذلك يرمين أيضا على رؤوسهن قطعة من الشاش الأبيض الفضفاض (موسلين) معلقة على ظهورهن كلما اقترب مرور أحد من الرجال. أما الشابات فيزحن أغطية الوجه قليلا ويكشفن عن عيونهن السوداء اللامعة، إلّا انهن غالبا ما يتعرضن للتوبيخ من قبل الكبيرات في السن واللواتي يتمتعن بصرامة أكبر. ثم ينتقل «فريز» الى النساء المارونيات, فيقول أنهن يضعن أغطية بيضاء فوق «طناطير» على رؤوسهن ، ويسقطونه على وجوههن المستديرة «الجميلة» من حين الى آخر لإخفائها من نظرات الغرباء, أما النساء الكاثوليكيات العرب فهن لا يغطين رؤوسهن و وجوههن, ويزيد «فريز» في مدحهن و التغزّل ببعضهن فيقول : «شخصياتهن رائعة وتتمتع وجوههن بجمال نادر».
وقد وصف كريمسكي لباس رجل بيروتي (الشيخ جمّال) وابنتاه عام 1897، فقال عن هندام الرجل:
«كان يرتدي شروالاً أسود واسعاً ذا ذنب (ذيل)، وتنحدر عباءة سماوية واسعة عن كتفيه، وعلى رأسه كوفية حمراء مرقّطة بالبياض، مكلّلة بعقال مطرّز بحرير أسود، ويذكّرك ذلك بغطاء رؤوس النساء المتديّنات، أو الرهبان، أو قد يكون بشكلٍ ما شبيهاً بالغطاء الذي تطرّزه النساء لدينا على ماكينة الخياطة، وأطراف كوفيته ذات الشرّابات تتهدّل على رأسه وكتفيه، أما العقال فيلتف حول رأسه كثعبان أسود». وعن لباس الابنتان قال: «والشبحان الأنثويان هما ابنتاه، وكانتا تسيران خلفه. وكانت كل واحدة منهما ملفوفة بملاءة بيضاء واسعة من رأسها إلى أخمص قدميها، تشبه الكيس أو الكفن، والملاءة تدعى غطاء. عند الردفين كان الإزار مزموماً، وكأنه محزّم بحزام غير مرئي؛ ولذا، فقد بدا الجزء السفلي منه كتنورة بيضاء، أما الجزء العلوي فينهدل على الجسم واليدين ككيس ملبوس من الرأس، وبشكل ما بدا مخيطاً إلى تلك التنورة. وإلى ذلك «الكيس» أضيفت قطعة قماش حريرية فوق الرأس، واسعة لكنها مطوية بعناية تغطّي الأذنين، وتكشف العينين وباقي الوجه. فتحتها تلك كانت مؤطرة بالأسود والأصفر، وتلك القماشة تدعى المنديل، وهو كالحجاب، لكنه لا يغطي الوجه، إلا إذا رُفع طرفُه» [1897 قصص بيروتية، ص 91-92].
ومع أن «الطنطور» يعتبر غطاء الرأس التقليدي عند فتيات ونسوة جبل لبنان، إلّا أنه لم يكن مستغرباً أن يُشاهد في بيروت قديماً. دوّن الدبلوماسي والرحالة الاسكتلندي دافيد أوركهارت David Urquhart في كتابه «لبنان (جبل سوريا) تاريخ ومذكّرة» المطبوع عام 1860 عن الطنطور كما شاهده أول مرة سنة 1850 قائلاً:
«عندما انعطفت إلى زاوية أحد المنازل، رأيت ست فتيات ونساء، ينتفضن على الصخور، شامخات بطنطورهن، الذي يدلّ ارتفاعه أنهنّ من طبقة عالية. لامست الزخارف الثقيلة الأرض محدثة صوت خشخشة؛ يتطاير حجابهن الأبيض مثل الأعلام، كاشفاً عن وجوه متفتحة وضاحكة، ورؤوسهن كأنها عبارة عن وفرة من الجواهر والزهور؛ أعناقهن مثل أصنام المعابد الهندية، صفراء مع ذهب متلألئ، وأثواب ذات لون بني محمر، متلألئة من كل مكان بالنجوم، ومهدبة بدانتيل من نفس المعدن... يا لها من عادة رائعة هذه الزائدة المثبتة على الرأس يوم الزفاف، وتبقى هناك حتى الموت، في النوم، في المرض، في العمل المنزلي في الحقل، هناك تجلس، معقودة ومثبتة...».
تجدر الإشارة إلى أن أوركهات تابع كلامه في نفس السياق ذاكراً علاقة الطنطور بمعتقدات الموحدين الدروز برواية لم أجد لها أصلاً في أي مصدر أو مرجع أو تواصل، لذلك استبعدتها من النص.
بعد ما كتبه أوركهارت عن الطنطور بسنة واحدة، قام الكاتب والشاعر الفرنسي المعروف بإسم جيرار دي نرفال Gérard de Nerval (إسمه الحقيقي Gérard Labrunie) بزيارة إلى بيروت، وكتب عن أزياء النسوة في بيروت سنة 1851 خلال زيارته لمنزل صديق مسيحي له فيها. نقرأ له في كتابه «رحلة في الشرق» ما يلي:
«إذا كنت على معرفة خاصة بسيد المنزل، فإن السيدات يكرموك بحضورهن، ويقدمن لك شخصياً الشربات أو المربّى، ثم يبقين في غرفة الجلوس دون حجابهن، مما يسمح لك بتفحّص ملامحهن الجميلة وملابسهن الفاخرة في وقت فراغك. تراهن يرتدين بنطالات واسعة قريبة من الكاحل. ويغطى هذا الثوب الأول برداء طويل مفتوح من الأمام، مع وشاح حريري ذو ألوان زاهية يلبس كحزام، أو بشال من الكشمير الهندي. ثم تأتي سترة ضيقة مطرزة بخيوط ذهبية، بأكمام ضيقة تصل إلى المرفق. إن شفافية بلوزاتهن تجعل صدورهن مرئية بشكل خفي. وينسدل شعرهن، المضفر بعدد لا يحصى من الضفائر، على ظهورهن في ضفائر تضاف إليها ضفائر حريرية ذات ألوان متطابقة، مرصّعة بعملات ذهبية ومثبتة بشكل مستقيم بوزن الخواتم. ويرتدين قلنسوة صغيرة من الصوف الأحمر، مطرزة بالذهب، مع شرابة ذهبية سميكة، مثبتة فوق رؤوسهن بفخامة. حواجبهن ورموشهن مصبوغة بعناية باللون الأسود. يتم صبغ أظافرهم وكف أيديهم حتماً بالحناء إلى اللون البني المحمر، وهو لون غير مريح للناظر؛ العديد منهن يضعن المكياج أيضاً».
لقد تأثّر البيروتي بالعادات والتقاليد الأوروبية نتيجة ازدياد عدد الأوروبيين في بيروت، وأقبل على شراء سلعهم ومنتوجاتهم، وأخذ يلبس الجاكيت إلى جانب القنباز والسروال. وهكذا حلّت التفتة البيضاء «عنبرتيس» محل الأنسجة القطنية القديمة، والجوخ «كوبونة» الأوروبي محل الصوف المحلّي، وأخذت حرائر فرنسا تستهوي النساء فيستعضن بها عما كان يُنسج محليّاً.
في العام 1910 أرسلت الفيكونتس سيسيليا اف لوتنبرج - وهي من النساء الشهيرات في عالم الأدب ومن المستشرقين الذين يحبون سوريا والسوريين - رسالة إلى جبران خليل جبران قالت فيها: «أنا أحب سوريا لأنها جميلة ولجمالها خاصة معنوية تنبّه في نفسي عواطف غريبة سحرية وتذكارات بعيدة لطيفة. وأحب السوريين لأنهم أذكياء وتعساء، لكنني أكره من السوريين تلك الطبقة المقلِّدة التي ترتدي الملابس الغريبة وتسكن المنازل المزخرفة وتتكلم اللغات الأعجمية. أنا أكره هذه الطبقة لأنها تركت محاسن التمدّن الشرقي القديم ومالت إلى المكروه من المدنية الغربية الحديثة فهي الآن بغير لون تتميّز به عن طبقات البشر».
فردّ عليها جبران برسالة مطوّلة هذا مطلعها: «هذه حقيقة جارحة يا سيدتي يسمعها المحافظون من الشرقيين فيحنون رقابهم متأسفين، ويعيها العصريون بينهم فيبتسمون. وبين أوجاع ذلك الأسف وسخرية هذا الابتسام تقف سوريا الآن وقوفَ حائر ضائع في ملتقى السّبل. أما أنا فلا أتأسّف جزعاً عندما أرى رقعةً جديدة قذرة في ثوب سوريا القديم، ولا ابتسم فرحاً عندما أجد السوري جسداً جديداً لروح عتيقة. أنا أنظر إلى سوريا نظرة الإبن الشفوق إلى أمّه المريضة بعلّتين هائلتين: علّة التقليد وعلّة التقاليد. التقاليد يا سيدتي تجعل المرء كالأعمى السائر في نور النهار، والتقليد يجعله كالبصير السائر في ظلمة الليل. وما الفرق بين الرجلين سوى أن نفس الأول تحيط بالظلام ونفس الثاني محاطة بالظلام» [جريدة «الحارس»، العدد 3، 5 تشرين الثاني 1910].
* صيدلي - عضو مؤسس لجمعية تراثنا بيروت