تدل حكايا الفنان الفلسطيني التصويرية مصطفى الحلاج (Mustafa al hallage) على سلسلة الحياة البشرية في العصور القديمة المغمسة بالكثير من الرموز الاسطورية، كالمرأة بشعرها الطويل وبمقاييس جمالية تحيط بالاحصنة والطيور، والمناظر المختلفة من الطبيعة ومن اشياء وتفاصيل تدل على الحياة القديمة والحديثة، وضمن الاطار الفني الفلسطيني الانساني الذي كان يحيا دون خوف، وفي امن واستقرار. لتصبح الحياة شائكة بعد احتلال فلسطين وتفتقد للعاطفة والسلام.
لهذا تتخذ تصويراته من أشد الخطوط دقة الوحشية التي تجبره على نحت الخطوط او تحويلها الى خيوط رقيقة، وكأنه يحفرها بمتعرجات تبث روح الفلكلور الفلسطيني المنتهك في لوحات هي جدليات فنية، كجداريات مفعمة بالحيوية التشكيلية، وبأسلوب الحفر على المازونيت او سواها، وبشكل سلبي وايجابي لتتناقض الحياة مع احداثها والعصور مع بعضها، وتتجرد الرموز من معطياتها الانسانية المتذبذبة بين الماضي والاسطورة والحاضر والفانتازيا، بتناقض قوي بصريا. ان ضمن الاشكال ورموزها وضمن المساحات وتقنيات التوزيع للنقاط عليها من حيث الملمس البصري او حس الحفر التصويري ذي الدلالة التعبيرية على الطابع الفريد لهذا الفن الفلسطيني المحافظ على مضمون القضية الفلسطينية.
في لوحات الفنان مصطفى الحلاج تآخٍ وصراعات، والحصان رمز القوة والعروبة والخصوبة، والغموض هو البحث عن الحلول المستعصية التي يتركها في زركشات دقيقة يمنحها حالة جمالية هي المزج بين الحزن والفرح، وصولا الى الكآبة من عصر تم فيه احتلال فلكلوريات الوطن التي شحنها بالرموز العربية الاصيلة. إنْ من خلال الاحصنة والحركة التي تتمثل بالليونة والقوة على مادة جامدة قاسية. الا انها من مواد طبيعية حية وما الحفر على الماروينيت. الا الرسم الذي يتحدى به الفنان المادة، فيسخرها لتضح بالرسومات ذات الرؤية العربية المدججة برموز وحكايات تؤرخ لتراث فلسطين، وما تترجمه الخطوط الكثيفة من متكسر لمتعرج لمنحنٍ لمائل مبتعدا قدر الامكان عن الخط العمودي وان تواجد في لوحاته. الا ان نسبته قليلة جدا بالنسبة للخطوط الاخرى. اضافة الى المفاهيم الرياضية التي يشحنها بالمقاييس، لتكون بمثابة المحاكاة النسبية لفن يحتاج لمقاييس ومعايير محددة، لتبقى اللوحة كالنص البصري المعتق او القديم الذي يؤرخ لعصر لا يريد الحلاج الخروج منه، وهو سمة العصر الفلسطيني المتحرر من اي احتلال تصرخ منه لوحات الحلاج، وتجعل من التصوير حكايات اسطورية هي جوهر القضية الفلسطينية في فنه وجوهر بلاد الشام، وما ترمز اليه شخوص لوحاته. ان المرأة او الطبيعة او الاشجار او التعبير الخصب عن الرؤى المحصورة في لوحة تحتاج الى الخروج منها او السعي لتحقيقها، وكأنّه يحتفظ بالحكايا الفلسطينية بين الابيض والاسلوب، وبين الخطوط نفسها التي ينسجها بتصوف يميل الى خلق الابعاد وكأن تفاصيل لوحاته تتمدد الى ما لا نهاية .
ما بين الابيض والاسود رحلة تؤرخ لايقونات هي فلسطين او هي الوطن العربي بأكمله، وان تعددت الاساليب في رحلة الفنان مصطفى الحلاج من النحت الى الحفر والطباعه، وتصوير الحالة العربية من فقدان لفروسية يجسدها بقوة من خلال الاحصنه المتحررة حتى من فارسها، والمرأة العارية المتسترة بشعرها الطويل او بالعديد من الرموز التي تجسد فقدان الوطن، كمرآة لنضال نفسي، واوجاع تستحضر الاحتلال وتنفيه، بل! تكاد تطحن كل مأساة يستبعدها برمز آخر او تجعله في اللون الاسود الذي يضيق في لوحاته التراثية المؤرخة لحياة القرى الفلسطينية، ولحياة الفدائي للمرأة والفرس للكوفية والقيود وبطوباوية وميثولوجية هي بحد ذاتها جغرافيا الوطن الذي يتخبط بالرموز دون ان تتشتت الدوافع او حكايا التراث الفلسطيني او العربي في لوحات مصطفى الحلاج وتاريخيتها من حيث قوة المادة فيها والابعاد، والضوء المتحرر من سواد هو عين الاحتلال ومقاومته في آن.
اعمال الفنان مصطفى الحلاج (Mustafa al hallage) من مجموعة متحف فرحات.
ضحى عبدالرؤوف المل
dohamol@hotmail.com