رواية «الناب» صادرة عن دار الآداب، للروائي إلياس العطروني.
«أليست لعبة أو ما يقاربها أن تتغيّر المواقع والأسماء والظروف في تلك الحلَة التي نسمّيها الحياة... نتحرك في تغيّرٍ بطيء، نحو مجهول هو الغد، أوليس أولها وآخرها هي أرض القدر؟ ذاك الذي اتفق على التسليم بالرضوخ له، أوليست هيبته بل قيمته في غيهب صورته [...]».
إنها فلسفة الحياة التي تولد من رحم أحداثها التي تشكّلها شخصيات هذه الرواية التي تظهر على مسرح الأحداث دفعةً واحدة... ثم ليغيب معظمها؛ فكأنَ اتفاقاً عقد بينها لآنية الظهور والإختفاء... والغياب.
والراوي حاضرٌ إلى النهاية.
تظهر سليمة.. والتي سمَت نفسها «سالي» وأقامت على السطح في بناية سعيد عبد العال «أبو السعد»، والذي برّر فعلته تلك لمن انتقدوه بقوله: «حرمة ولاجئة حرام [..]».
ومع ظهور سليمة؛ يتتابع ظهور الشخصيات مع قصصهم المرتبطة بها. أبو السعد.. سالم عيسى الذي تعرّف عليها من سيارة سرفيس على خط النبعة.. والريس فيكتور؛ أو الريس نعمة. أما قصتها معه فهي مختلفة «أحببته لأنه يحسن العواء[...]»، ويولد أحمد... وتغيب سليمة دون أن يعرف سبب غيابها، ويغيب هؤلاء وقصصهم معها... وتستمر قصة أحمد... المجهول الهوية. يمضي الروائي في سردياته التي تابعها الراوي... ولكن من هو وما علاقته بتلك الشخصيات؟.. «علاقتي أنَ أبي عاش ومات شاذليَا», كما عاش والد أبي السعد ومات. أبي مات قهراً على قتل المهندس خالد اليشرطي أوائل السبعينيات في بيروت... أبي كان يعتقد؛ ومات وهو يعتقد أن المهندس الذي ينحدر من سلالة مشايخ تأسيس الطريقة الشاذلية قتل لأنه كان من قياديي النضال الفلسطيني [...] أما والد أبو السعد فقد مات قهراً على ضياع فلسطين.. فيوم حمل عائلته وأتى بهم إلى بيروت لمدة أيام، كما أعتقد، لم يكن يعلم أنَ طريق العودة إلى زاوية عكا قد سُدَت بألف جدار [...]
وتبقى فلسطين حاضرة في وجدان الكاتب كي تبقى حاضرة في كل آن.. يمضي الكاتب حاملاً أحمد في سطوره، متابعاً حكايته التي شكّلت وسيلةً.. ليطرح قضايا من خلاله... فقد كانت تربطه به علاقة حنوِ وكأنه أراد تعويضه بها عن حرمانه من العطف الأبوي، بالإضافة إلى الظروف التي مرَّ بها وقد تربّى في دار الأيتام الإسلامية.. وها هو أحمد الذي يعاني من اضطرابات نفسية.. يمضي في حياته على دروبٍ مجهولة المصير.. وتحضر مناخات بيروت في أواسط التسعينات من خلال مسيرة حياة أحمد؛ حيث كان شبح الفرقة يحوم فوق سمائها وبين أهلها... كأن مناخاتها عابقة بالحقد على الفلسطينيين حينها.. ليقول أحمد حيث كان يقيم في التي كانوا يطلقون عليها.. المنطقة الشرقية «ماذا يريد الفلسطيون منا [...]» ولم يكن مستغرباً موقفه هّا فقد كان كقشة في مهب رياح عاتية؛ كما كان يساق إلى قدرٍ لا حيلة له معه.. ففي حينها كان يتابع دورة عسكرية في ميليشيا «النمور الأحرار» فأضحى نمراً من نمورها... ثم ليستدرك من ثم أمره «هم جماعة كذّابين» وذلك علاقة ربطته بمقاتل شاب من الحزب التقدمي الإشتراكي، هو في الأصل من عرب المسلخ تهجّر مع أهله بعد سقوط الكرنتينا وأقاموا في خلدة... ثم لينضم إلى حركة فتح... وأخيراً لينتقل إلى تنظيم إسلامي فيغدو متطرفاً من متطرفيهم مغرقاً في أحكامه... مكفراً ..مفسِقاً.. ومحللاً ومحرِّماً.. حتى في أحكامه على نفسه؛ إذ استقرّ رأيه على العمل حارساً في أحد المقابر... فهو لا شبهة حوله... وباقي تطاله شبهة وحرمة.
وهنا وقفة متأنّية.. وصولاً إلى ما أراد الكاتب تسليط الضوء على: فأحمد تلك الشخصية التي من خلالها تصوير حالة التطرف العامة التي كانت تسود كل التنظيمات... وربما استطعنا ومن خلال وقفة تأمل علاقة «الناب» بتلك السرديات من خلال بوح الراوي بهاجس سيطر عليه من وجود علاقة بين أحمد وصفاء ابنته.. «اقترابه الآن منها ومني محاولاً انتزاعها؛ بل سلخها... وتلك النظرة الخبيثة.. هو اقتراب القوة من الرومانسية... انغراس الناب الشرس في الرقة المحايدة..[....]» لتستشفّ ظلال فلسفة تحكي علاقة العنوان بالأحداث... كما وعلاقة الإنسان بالإنسان...
ضحى الخطيب