بيروت - لبنان 2023/01/29 م الموافق 1444/07/07 هـ

ابن خلدون وتفسيره لعِلم العمران البشريّ

حجم الخط

د. محمود الذوّادي*

هناك أقوال كثيرة حول الأسباب التي سمحت لابن خلدون بابتكار عِلمٍ جديد، ألا وهو عِلم العمران البشريّ. يأتي في طليعة تلك الأسباب احتكاكه الواسع والمكثَّف بالبدو والحضر في المُجتمعات العربيّة الإسلاميّة، بخاصّة في شمال أفريقيا. سنبيِّن لاحقاً أنّ هذا القول ضعيف الصدقيّة لأنّه عاملٌ غير كافٍ وحده لتفسير نشأة العِلم الجديد لصاحب المقدّمة.
من المفيد بهذا الصدد أن نبحث عمّا قاله ابن خلدون نفسه حول هذا الموضوع؛ فهو يبوح مباشرة برؤية مختلفة يرى أنّها تُفسِّر أسبابَ ميلاد علمه الجديد لعِلم العمران البشري. وهي رؤية لم نعثر على ذكرٍ لها في ما قرأنا من كُتب وبحوث ومقالات حول صاحب المقدّمة. يقول ابن خلدون بهذا الصدد: «واعلم أنّ الكلام في هذا الغرض مستحدَثُ الصنعة غريب النّزعة غزير الفائدة، أعثر عليه البحثُ وأدّى إليه الغوصُ». فهذا القول حمّال لرؤية معرفيّة/ إيبستيمولوجيّة بالنسبة إلى استعمال منهجيّة معيَّنة للنجاح في تأسيس عِلم جديد. تتمثّل هذه الرؤية المعرفيّة في أنّ ميدان العِلم، هو عبارة عن بحرٍ ليس له حدود أو شواطئ؛ يُردِّد خاصّةُ الناس وعامّتهم أنّ ميدان آفاق العِلم البشري لا يعرف الحدود؛ أي أنّه نشاط إنساني لا نهاية له. وبالتأكيد، فإنّ أهل الذكر في رحاب العِلم هُم أكثر إدراكاً لمعنى هذا القول؛ إذ هُم يُقرّون بذلك نتيجة تجربتهم الخاصّة المباشرة وتجارب الآخرين في بحوثهم العلميّة. وعلى الرّغم من هذا الإقرار العامّ في الشرق والغرب والشمال والجنوب بصحّة هذا القول وصدقيّته، فإنّنا لا نكاد نَجد مَن يطرح السؤال التالي: لماذا ليس للعلوم البشريّة حدود؟ وبعبارة أخرى، فجميع الناس يَقبلون فحوى هذا القول كمسلّمة من المسلّمات التي لا ينبغي إثارة أيّ تساؤلٍ وشكٍّ حول صحّتها. ومن ثمّ، جاء غياب محاولة فهْم هذه الظاهرة وتفسيرها لدى الأغلبيّة الساحقة من العُلماء والمثقّفين والمتعلّمين، ناهيك بغيرهم من عامّة الناس. وهذا ما تُشير إليه قائمة ما يسمّى بالأسئلة الصعبة التي يطرحها العُلماء والمتمثّلة في خمسةٍ وعشرين سؤالاً نشرتها «المجلّة العربيّة» في كُتيْب في عددها 427 لشهر تمّوز/ يوليو 2012. فلا أحد من هؤلاء العُلماء طَرح سؤالنا:  «لماذا ليس للعلوم البشريّة حدود؟» كأحد الأسئلة الصعبة التي ينبغي أن يطرحها العلماء والباحثون والمفكّرون في كلّ المجتمعات والحضارات البشريّة في القديم والحديث. إذا كان واقع الأمور يؤكّد أنّ العلوم لا حدود لها كما رأينا، فإنّ ذلك يتطلّب مواصلة جهود البحث والغَوص في موضوعٍ خاصّ أو أكثر لاستكشافِ الجديد دائماً فيه الذي قد يقود إلى تأسيس علمٍ جديد يتمتّع بمواصفات المنظومة العلميّة التي تحتوي على فرضيّات ومقولات ومفاهيم ونظريّات ترشّحه لكي يكون علماً مُبتكراً مختلفاً عن العلوم السابقة في ميدانه، وبالتالي يحمل بردايم (إطاراً فكريّاً) ثوريّاً جديداً بتعبير توماس كون.
يساعد ما قاله ابن خلدون في آخر سطور كِتاب المقدّمة على فَهْمِ منهجيّة البحث والغَوص التي نجح بها في ابتكار عِلمه الجديد: «أتممتُ هذا الجزء الأوّل، المُشتمل على المقدّمة بالوضع والتأليف، قبل التنقيح والتهذيب، في مدّة خمسة أشهر آخرها منتصف عام تسعة وسبعين وسبعمائة...» يوحي هذا القول أنّ كتابة المقدّمة أتت بعد تأليفه للأجزاء الباقية العديدة من كِتاب العِبَر التي هي عبارة عن سردٍ لأحداث تاريخ الشعوب والأُمم من العرب والعجم والبربر ومَن عاصرهم، وهذا ما يعبِّر عنه العنوان الكامل الذي سمّى به ابن خلدون ذلك الكِتاب الضخم «كتابُ العِبَر وديوان المبتدأ والخبر في أيّام العرب والعجم والبربر ومَن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر». فكتابة المقدّمة في خمسة شهور فقط، أمر لا يكاد يُصدَّق، لأنّ محتواها يشمل فكراً جديداً عميقاً مركَّب الأبعاد يستحيل إنجازه من دون خلفيّاتٍ سابقة من سلسلة الأحداث التاريخيّة التي تعرَّف عليها ابن خلدون في أبواب وفصول كِتاب العِبَر؛ فالبحث في تفاصيل تلك الأحداث التاريخيّة والغَوْص في دلالاتها ودروسها، ربّما يكونان قد مكَّنا صاحبَ المقدّمة من القدرة السريعة على تأليفها في خمسة أشهر بأبوابها الستّة وفصولها الكثيرة. وبتعبير الرّاغب الأصفهاني، فالفكر الرصين هو بحثٌ وتقصٍّ لنَيل حقائق الأمور. فتركيز ابن خلدون المتواصل المكثَّف على استكشاف ما لا نهاية له في شبكة الظواهر في المُجتمعات العربيّة الإسلاميّة يرشِّحه للنجاح في كشف الحجاب عن كثيرٍ من الخفايا والأسرار للظواهر والأشياء في تلك المُجتمعات هداه إلى تأسيسه لعِلم العمران البشري في المقدّمة التي يُبرِز فيها الأهميّة القصوى التي يتّسم بها هذا الكتاب، من حيث هو إطار فكري ومنهجي جديد لفَهمٍ أدقّ وأمتن للنواميس التي تتحكّم بتاريخ أحداث الحضارة العربيّة الإسلاميّة وغيرها. وبتعبيرٍ آخر، فإنّه لا بدّ من أجل قراءة الأحداث التاريخيّة للدول والحضارات قراءة صحيحة أن نفهم الدوافع والمحدّدات والعوامل التي تقف وراء حركيّة أحداث تاريخ الحضارة العربيّة الإسلاميّة وغيرها من الحضارات. وبعبارة أخرى، أنّه لكي يكون المؤرِّخ ذا صدقيّة في ما يكتبه، يجب أن يكون أوّلاً عالِم عمران بشري أو عالِم اجتماع بالتعبير المُعاصر.
ابن خلدون في محراب عِلم الابتكار
إنَّ الدراسات التي حاولت تسليط الضوء على جذور الظاهرة الخلدونيّة بوصفها ظاهرة فكريّة حمّالة لحشدٍ من الابتكارات هي دراسات غلب عليها التحيُّز إلى جانب المُؤثِّرات الاجتماعيّة التي نُظِر - ويُنظَر - إليها باعتبارها عوامل حاسمة في إطلاق الابتكار الفكري عند ابن خلدون، وبخاصَّة في «المُقدِّمة». ولا شكَّ في أنَّ هذا التحيُّز - مهما كان حجمه ضئيلاً - لا يُفْضي إلى تحقيق صفوِ فهْمٍ أكثر نضجاً لظاهرة الابتكار التي هي أسمى تاج يمتاز به القِلَّة القليلة من بني البشر.
من المُسلَّمات التي يجب أنْ يتبنّاها أيُّ باحث يروم بحقٍّ الكشفَ عن حقيقة الابتكار، أنْ يكون اعتقاده راسخاً بأنَّ الابتكار الفكري والعلمي والفنّي هو حصيلة تفاعُل محتوم بين الجانب الشخصي/ الذاتي للمُبتكِر من جهة، ومحيطه الاجتماعي (المحلّي، والقريب، والعالَمي) من جهة أُخرى. تنطبق هذه المقولة على الابتكار في الفكر الاجتماعي بوجه خاصّ. ولكنَّ قبول هذَيْن العاملَيْن المُحدِّدَيْن للابتكار الفكري (العامل الشخصي، والعامل الاجتماعي) وتزكيتهما لا يحسم كلّ شيء يتعلَّق بظاهرة الابتكار؛ إذ توجد أمور تظلّ مطروحة من دون إجابات شافية ونهائيّة، لعلَّ أبرزها مسألة التعرُّف الدقيق على درجة إسهام كلٍّ من الجانبَيْن في تكليل عمل الفرد بالابتكار، فضلاً عن تاج العبقريّة.
السمات الذاتيّة
إنَّ الاعتماد على العاملَيْن المُحدِّدَيْن للابتكار الفكري يُنظِّم منهجيّة البحث بالنسبة إلى القرب من الفهم ذي الصدقيّة الكبيرة لظاهرة الابتكار الفكري. ومن ثَمَّ، فإنَّ وجود بعض السمات - على الأقلّ - ممّا يُسمّى الجانب الذاتي للفرد أمرٌ ضروري لميلاد ظاهرة الابتكار ونضجها لديه. مثلاً، فوجود مستوىً من الذكاء يفوق مُتوسِّط ذكاء عامَّة الناس هو أمر مطلوب، ولا يُمكِن أنْ يستغني عنه أيُّ شخص قد يُكتَب له الابتكار. ومن ثَمَّ، فإنَّ التمتُّع بشيءٍ من الذكاء يفوق الحَدَّ المُتوسِّط يصبح شرطاً ضروريّاً وحاسماً في الطريق إلى الابتكار. وقد أكَّدت بحوث علم النّفس أهميّة عامل الذكاء في ترشيح أيِّ شخصٍ لأداء عملٍ ابتكاري. وبالمثل، فإنَّ عامل السِّنِّ في عمليّة الابتكار يُعَدُّ مُهِمّاً جدّاً، ويكاد يكون محسوماً؛ ذلك أنَّ بحوث علم النَّفس انتهت إلى أنَّ العمل المُبتكَر العالي المستوى يقترن عادةً بما يُسمّى السنوات الوسطى من عمر الإنسان؛ أيْ سِنَّ الأربعين، وما دونها، أو بعدها بقليل. وبذلك يُصبح الإبداع ظاهرة نادرة قبل تلك السِّنِّ، وبعدها بكثير. والخلاصة أنَّ عناصر الجانب الذّاتي للمُبتكِر تُمثِّل ركائز أساسيّة لا غنىً عنها للشخص الذي قد يكسب رهان الابتكار والإبداع.
الابتكار في حِضْن العوامل الشخصيّة والاجتماعيّة
إنَّ البحوث الخاصَّة بالجانب الاجتماعي الموضوعي للمُبتكِر ينقصها كثير من الدقَّة في تحديد ملامح هذا الجانب أو ذاك وأثره في ابتكار المُبدعين. فقد يُعْزى ابتكار شخص ما إلى ظروفٍ اجتماعيّة مُعيَّنة عايشتها وتفاعلت معها شخصيّةُ المُفكِّر، أو العالِم، أو الفنّان المُبتكِر. ومن ثَمَّ، فإنَّ ثقل الجانب الاجتماعي واردٌ ولازمٌ حضوره في ولادة أيِّ إنتاج مُبتكَر للإنسان. لكنَّ الكيفيّة التي تُؤثِّر بها الظروف الاجتماعيّة في تفتيق براعم ظاهرة الابتكار لدى المُفكِّر، أو العالِم، أو الفنّان المُبتكِر تظلّ أكثر غموضاً وأقلّ شفافيّة من عامل الذكاء، مثلاً. إنّ الكيفيّة التي تُؤثِّر بها الظروف الاجتماعيّة في عمليّة الابتكار لدى المُبتكِر تتّصف بالغموض؛ ذلك أنَّ الظروف نفسها لا تُؤثِّر بالقدْر نفسه المُفْضي إلى الابتكار لدى الأغلبيّة الساحقة من أفراد المجتمعات. وبلغة العلوم الاجتماعيّة الحديثة، فإنَّ ظاهرة الابتكار ليست مُجرَّد مُتغيِّر variable تابع للظروف الاجتماعيّة، وإنَّما هي مُتغيِّر ناجم عن لقاء مُوفَّق بين الظروف الاجتماعيّة والسمات الذاتيّة المُكوِّنة لشخصيّة المُبتكِر.
لا مساواة بين تأثير الجانبَيْن في الابتكار
قد يتوارد إلى ذهن المرء السؤال الآتي: هل يُسهِم الجانب الذاتي والجانب الاجتماعي إسهاماً متساوياً في تبلْور ظاهرة الابتكار؟ الإجابة الفاصلة لا تبدو أمراً سهلاً، نظراً لقِلَّة المعلومات العلميّة الدقيقة الخاصَّة بكلّ العوامل التي تُسهِم في صناعة الحدث المُبتكَر. وعلى الرّغم من ذلك، فإنَّ ما جَمعه علم النَّفس الحديث عن ظاهرة الابتكار يُشير، بكثيرٍ من الشفافيّة، إلى أنّ الجانب الذّاتي للشخص المُبتكِر هو الأكثر حَسماً في تحديد تجسُّد العمل المُبتكَر؛ إذ أكَّدت البحوث والدراسات اقترانَ ظاهرة الابتكار بنمطٍ مُعيَّن من الصفات النفسيّة والشخصيّة للفرد المُبتكِر.والثابت أنَّه يجب أوَّلاً توافُر بعض الصفات الذاتيّة أو كلّها في الشخص قبل الحديث الجادِّ عن ترشيحه لكسْبِ رهان الابتكار في مجالٍ من المجالات، وهي صفات ضروريّة تكفل الترشُّح لدخول عالَم الابتكار من بابه العريض، لأنَّها تُمثِّل أُولى الأولويّات لجعْلِ شخصٍ ما أهلاً للالتحاق بموكب المُبتكِرين. وإذا كان الطموح والارتقاء إلى أُفق الابتكار - بحسب رؤية علم النّفس - يبدأ بسماتِ بِنْية الشخصيّة، فإنّ دَور المُؤثِّرات الاجتماعيّة في تفتيق براعم الابتكار ونقْلها إلى حيِّز الوجود والواقع يصبح أمراً ثانويّاً؛ أيْ إنَّه لا يعدو أن يكون سوى العامل المُساعِد والمُنشِّط لطاقات الابتكار الكامنة في طيّات شخصيّة الفرد المُرشَّح أصلاً للابتكار والتجديد، بسبب السمات الذاتيّة في صُلْب تركيبة الشخصيّة البشريّة.
فكر ابن خلدون على مِحَكِّ علم الابتكار الحديث
كما ذكرنا سابقاً، فإنَّ اكتشاف هذا العِلم الخلدوني يندرج من ضمن ما سمّاه توماس كون الثورات العلميّة التي تَحْدثُ - في نظره - عند مرور الإطار الفكري لعِلمٍ ما بأزمة تتطلَّب اكتشاف بردايم جديد يضع حَدّاً لها. فقد وصف ابن خلدون في الصفحات الأولى من «المُقدِّمة» أزمة علم التاريخ العربي الإسلامي، وطَرَحَ عِلم العمران البشري بوصفه إطاراً «بردايم» فكريّاً مُنقِذاً لعِلم التاريخ العربي الإسلامي من أزمته. وهو عِلمٌ ثوري في تصوُّر كون؛ لأنَّه في قطيعة معرفيّة (إبستمولوجيّة) وفكريّة مع الفكر والرصيد المعرفيَّيْن للمُؤرِّخين العرب والمُسلمين؛ يُنتظر بقوّة أن تكون تلك القطيعة الفكريّة حصيلة للبحث والغَوص اللّذَيْن التزم بهما ابن خلدون في دراسته لظاهرة العمران البشري.
----------------
* عالِم اجتماع من تونس
(بالتعاون مع مؤسسة الفكر العربي - نشرة «أفق»)


أخبار ذات صلة

مقتل 10 أطفال بغرق قارب في هذه الدولة!
الرئيس التنفيذي لشركة "إيني": مشروع التنقيب عن النفط يعزّز اقتصاد [...]
لبنان الجديد وانهيار العدالة