27 تشرين الثاني 2025 12:00ص الأدب العربي بين الأصالة والتجديد!

حجم الخط
قولبت الطبيعة عادات قدامى العرب وتفكيرهم وخطاباتهم، ما أدّى إلى نمطية في حياتهم وأدبهم.
هناك لديهم وحدة معايير، ومعلقاتهم هدفت إلى المفاخرة والمديح والهجاء المتبادل بهاتف من بداهة الطبع، وفي حرص على الكرامة، كما تنقبض اليد تجنّبا للمكروه إن هي أحسّت وخزا، أو رثاء رئيس قبيلة. تستهلّ المعلقات بالنسيب فيتغزل الشاعر بحبيبته، ويصفها ويصف مشاعره تجاهها، فيكون البكاء على الأطلال بعد أن يحصل الفراق بينهما.
تناقل المعنيون القصائد شفاها. فتبدّلت الصيغ والألفاظ على مرِّ الزمن، ضمن قصائد قلّما يربطها رابط أو ينسقها تنسيق، فتدفقت المعاني القابلة، تاليا، لأكثر من تفسير.
تأتي الأفكار لديهم كالومضات أو التنهدات أو الأضواء الخاطفة.
نلمس ذلك حتى في مؤلفات التاريخ السياسي والفنون البصرية والموسيقى. ديدن المبدع ليس الفرادة بقدر ما هو إعادة صياغة موضوع راسخ على شيء من التجويد، ما لم يشأ المبدع أن يبدو فوق ناسه أو فاقدا «الذوق السليم». وعند الضرورة القصوى، يستنير كالدجاجة دفاعا عن فراخها أو كأب يستأسد ذودا عن فلذات كبده. ان مخططات قدامى المبدعين العرب ليست أبجدية مواد متلوّنة بقدر ما هي معانٍ أصيلة تعمر بها القلوب ومناقب حفلت بها سير أبطالهم. ولا حاجة إلى قوس قزح من هذا القبيل يشغل الطروس.
ولكن أجدادنا برزوا شيئا فشيئا في عوالم العبقرية والنبوغ والتجديد وإن من طريق تقليد الأدب الغربي. ومن يجحد فضل المجدّدين أو ينكر مآتيهم، وقد أدّوا في العصور الحديثة أدبا متقدما وشعرا رقيقا أنيقا، هو ذوب العاطفة البكر، وزبدة الإلهام المصفّى، وخلاصة الروعة والابتكار، والبيان المشرق السلسال. ولا أخال قارئا نابها صادقا يجهل ما قدّمه شعراء القرن الماضي الغريدين، الذين أطربوا المسامع بشدو روحهم وصداح قلبهم وأهازيج قوافيهم الخالدة على الزمن.
قرأت البارحة، المرة العاشرة، قصيدة «حضن الأم» للشاعر القروي. علمت ان الأدب العالمي يعتبرها من أفضل ما كتب في الأم. وقد نقلت القصيدة إلى عشرات اللغات. شاء منشئها أن تتجلّى تجسيدا للذات الإلهية وقد بانت أكثر حنانا ودفعا عاطفيا وليس حديدا ونارا!
للشاعر اللبناني العربي هنا دعوة صادقة، من خلال عظمة قصيدته، إلى أن يعتبرها العرب نموذجا أدبيا فلسفيا فريدا لما شأنه أن يهدهد شعوبنا في عمق أعماقها، من أسلوب ينساب معهم كجدول من ماء الفرات أو النيل. ولا أظن عربيا مؤمنا بعروبته، ينكر جميل أمثال هذا العلم الخفّاق في سماء القومية العربية التي ترفض، في مناخ من الحب الإلهي والبشري معا، كل امرئ لا يكون لأمته قبل أن يكون لقبيلته أو أسرته أو نفسه.
متى يستيقظ وزراء العقل اللبناني المعني بذلك قبل سواه، للعمل الجادّ في سبيل خلع أردية الخور والظلم ونبذ اللامبالاة والتراخي عبر مخططات ومناهج تشدّد على تلقين نشئنا سبل الارتقاء إلى مرحلة الثورة البيضاء التي تبدأ بتعزيز السلام الداخلي؟؟؟!!!
دعونا ندأب في أحلامنا!

أستاذ المعهد العالي للدكتوراه