بيروت - لبنان

اخر الأخبار

20 كانون الثاني 2022 12:00ص الخروج عن القطيع

حجم الخط
اللوحة اسمها «الخروج عن القطيع»، وهي لرسّام بولنديّ اسمه توماس كوبيرا. أن الرسّام يصوّر فيها، بطريقة إبداعية وعميقة ماهيّة ثقافة القطيع وتأثيرها على صناعة الذات.

«القطيع» في اللوحة يأخذ شكل طابور من البشر، ملامحهم زرقاء، كئيبة ومتجمّدة وهم أشبه ما يكونون بقوالب الثلج. الهيئات المتجمّدة لأفراد القطيع قد تُعبِّر عن أن نموّهم توقّف عند مرحلة معيّنة، كما أنهم متشابهون وبلا ملامح نتيجة كون أفكارهم وعقلياتهم مقولبة ومسبقة الصنع.

«الاستثناء» في هذه الصورة هو الشخص المندفع بقوّة إلى خارج القطيع. هذا هو التفصيل الذي يجتذب العين أكثر من سواه في اللوحة. وقد لوّنه الرسّام باللون الأحمر، أو ربّما الأصح أن نقول أن لونه يتحوّل شيئا فشيئا إلى الأحمر، لون النار ورمز الثورة والحياة عبر التحدّي والإصرار القوي والتمرّد والسعي للخروج خارج السرب.

الرجل إلى أقصى اليمين يظهر انه «زعيم القطيع» أو رمز السلطة الأبويّة أو أي سلطة قمعية. يبدو هذا الشخص وهو يجاهد مع زميله الآخر إلى يمينه للإمساك بالرجل الخارج وإعادته إلى بيت الطاعة والخنوع، أي إلى حظيرة القطيع. الواقع أن فعله ليس فقط فعل خروج ولا حتى شرود عن القطيع، حركته حركة انشقاق أو انسلاخ في عنفها وقسوتها. القطيع يشدّه كي يبقى، فيما هو يشقّ طريقه منطلقا بكلّ قوّة للحرية والفكاك والانعتاق من الأسر الذي ضاق به.

شكل القطيع الذي يشبه أمواج البحر ربّما قصد الرسّام أن يرمز به إلى طغيان القطيع وجبروته وقدرته على البطش بكلّ من يحاول الخروج على الأعراف المستقرّة والجاهزة.بدون «عقل أو وعي»، انها «وجوه بلا ملامح وبلا أعين» وبلا صوت.

هذه اللوحة تُعبّر عن الذاتيّة وعن بحث الإنسان عن «وجه» وهويّة «في المجتمعات» الشمولية. تأمّل قليلا تعبيرات وجه الرجل، إنها مملوءة بالمعاناة والألم، عيناه تصرخان لكن روحه تقاوم، عينه مثبّتة على شيء يراه من بعيد، قد يكون نجمه الهادي؛ حلمه الذي يريد بلوغه، توقه لأن يصبح إنسانا مختلفا ومتميّزا عن البقيّه، إنه الإنساني الباحث العقلاني الموجود المدافع عن أفكاره وقناعاته الخاصّة.



صباح الفلسفة