بيروت - لبنان

اخر الأخبار

25 كانون الثاني 2018 12:05ص الخط العربي في تنويعاته المعاصرة (4/4)

المدرسة السورية زخم التنوع وروح الاصالة

لوحة بقلمي الثلث والثلث الجلي لعدنان عثمان لوحة بقلمي الثلث والثلث الجلي لعدنان عثمان
حجم الخط
يروى ان الخليفة الاموي عبد الملك بن مروان. كان يمتلك قلماً جميلاً ولا سيماً في خط النسخ. لذلك قرب منه بعض الخطاطين المجوِّدين في خطوطهم، امثال مصباح الحلبي الذي اجاد خط الثلث الجلي وجلي الديواني، وكذلك الخطاط قصي العلواني من حماة وكان مقتدراً في الرقعة وفي تزيين حواشي الرقع الخطية.
وحين بنى الامويون دولتهم في الاندلس، برز العديد من الخطاطين الذين نجحوا في تطوير الخط الكوفي، وإضافة التوريق الجميل إليه حتى تحول إلى اجمل خط عماري وريازي في آن واحد. لذلك ادخلوه على العمارة الاندلسية. فلا يكاد يخلو مسرح من صروحهم من ذلك الخط الجميل الذي يحيط بالأبواب والنوافذ ويزين المحاريب والمنائر.
لقد بقيت حلب الشهباء منارة من منارات الخط العربي، حيث تمّ دمجه بالصنعة البديعة التي برع بها الصناع الحلبيون المهرة. فلا عجب ان ينشأ ويتطور خط الثلث الدائري المحيط. وهو خط مركب سمح للخطاط الحلبي ان يصب عليه ابداعاته وتجلياته، التي قال عنها الخطاط المعاصر عدنان الشيخ عثمان: انها ذروة في استيعاب الأهواء والامزجة المتعددة للخطاطين.
لقد مرّت على بلاد الشام حقب صعبة ومدمرة، وكأنه كتب على هذه البلاد ان تعيش الخراب بين حقبة وأخرى. وان بطش الحاكم يضارها ويطالها بعد كل ازدهار... لذلك مرّت قرون عدّة صار فيها الإبداع الخطي ثانوياً، حتى استفاق ثانية، حين تنبه إلى بذرته الحيّة خطاط تركيا الكبير حامد الآمدي. فبرز عدد جيد من الخطاطين في كل من دمشق وحلب وحمص وحماة وادلب. فبدأت منذ خمسينيات القرن العشرين حركة الاهتمام بالخط العربي، حيث باتت المشاركات السورية في مسابقات الخط العربي تلفت الانتباه. وها هو الخطاط عدنان الشيخ عثمان يرصد العديد من الجوائز، وهو العصامي الذي تعلم الخط بنفسه، وتتلمذ على مدارس متعددة. وهو القائل: «بأن الخط سريع التفلت ممن لا يقف عليه حياته واعصابه والواقع ان هذا الخطاط يعتبر ابرع من اجاد خط الثلث الذي تعامل معه مداً وقصراً، وارسالاً وقبضاً، وتكويراً وتشقيقا..
وربما بسبب المشاركات المكثفة في الأنشطة الخطية في استانبول بتركيا، يبرز خطاطون سوريون كبار يجيدون واحداً من الخطوط الجميلة، ونقصد به (الخط الريحاني)، وكذلك الخط المحقق، وهنا لا بدّ من ان ننتبه للخطاط (اسامة الحمزاوي) الذي حصد العديد من الجوائز التركية والإيرانية والخليجية.
ويطل علينا من قلب الشعر والتشكيل «جمعه محمّد حماحر» ليقدم نصاً يتصدر مساحة تجريدية تصير بمثابة الخلفية لنص شعري جميل.
ويبدو ان الخطاط السوري مولع بالشعر لذلك تذهب الخطاطة «جميلة عوض» صوب الحالة المرآتية، فتخط بالحبر والذهب كلمة متقابلة ومزينة ببيتين من الشعر... وهي على عكس ما ذهب إليه الخطاط «حسين علي شاقولة» الذي يتألق كثيراً بالخط الديواني، مضيفاً إليه مدّات سفلى تجيء بمثابة المساند الجمالية، لكن الذي سيخرج عن النمطية السائدة هو الخطاط (سمير خالد طريفي) عندما يضع على الرقعه نمطين متجانسين من الخطوط، ويبدع في الديواني الجلي الخطاط (شاهر الطريف) لكنه يتحرك بقلمة حاملاً رغبة جامحة بالسيطرة على كامل المسطح الخطي. هذا في الوقت الذي يبرز فيه هاجس التوازن الجميل لدى (صفوح المصطفى) الذي يصوغ البسملة بحركة متحركة وشفافة.
اما خط الحليه التصويرية الجميل فهو عند «عبد الرحمن العبدي»، يجيء اجتهاداً يتأسس على مركز الدائرة التي يحيط بها النص الخطي المتنوع، وكأنه يسعى إلى خلق نوع الحركة المستمرة. ولا ننكر سر الاحبار الحمراء أو المائلة إلى الحمرة المحروقة عند (عبد الرزاق المحمود)، وبخاصة عندما يتألق في خط (إن اكرمكم عند الله اتقاكم). لكن (كامل الشريقي) سيخط بالديواني الجلي حركة انسيابية على شكل زورق. وهو نوع من الخط طالما اعتمده الخطاطون المهرة.
وعلى محاور متعددة يوزعها الخطاط «محمد إبراهيم يحستي» نراه يتألق بالخطوط اللينة. لكن «لمحمد رضا بلال» نمطه الخطي الخاص به، إذ يذهب إلى الكوفي فيكوِّن منه شكلاً عمارياً متكاملاً. لكن «محمد زاهر الحمود» يذهب نحو خطي الرقعة والنسخ ليستدرج الأصول فيخط «احب النّاس إلى الله انفعهم للناس»..
وفي توازن جميل ودقيق يخط «محمد فاروق الحداد» - الا تزر وازرة وزر أخرى - لذلك يجيء الخط مثل زهرة تتفتح.
ونكتشف مع الخطاط «محمد قنا» امكانات الحركة في خط الجلي تعليق. وبخاصة عندما يكتب سورة الكوثر بشكل تصاعدي. وربما شغف الفنان السوري بالديواني الجلي سوف يدفعه إلى ابتكار تكوينات غاية في الجمال. والأمر الملفت للنظر عند الخطاط (نوح الحمد) انه يحقق التقابل (المرآتي) في الآية الكريمة «إن اكرمكم عند الله اتقاكم».
هذا الخطاط «اكسم طلاع» هو فنان حروفي بامتياز. لذلك يكوِّن مسطحه التصويري انطلاقاً من حركة المفردة الحرف التي تبدو كقوة متحركة على ارضية اللوحة، فيما الصدمة البصرية في الواجهة، وهذه العناصر الخطية التي يضعها يجرحها ثم يلحمها بحركات عصبية اكسبت عمله الخطي بعداً تشكيلياً..
ويحاول «بديع جحجاح» أن يبوح بصوفيته عبر نص من سورة المائدة فيما البسملة عند «جلال المحارب» ستذهب ملتهبة بحركتها المطلقة.
ومن أشهر الفنانين السوريين المعاصرين «جمال بوستان» الذي ينتقي حروفه بجمالية مستمدة من الخطوط المغاربية القديمة، وهي بدورها متأثرة بالخطاطين العلويين في بلاد الاندلس وما اروعه عندما يخط: «يا أيها النّاس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن اكرمكم عند الله اتقاكم».
وتضج الحروف عند «صالح الهجر» حيث تتصادم ويخترق بعضها بعضاً انها لغة لا تهدأ ورقعة صوتية تجلّت في الخط المحكم.
ومن خطاطي الكوفي الهندسي «محمد فراس»، لكن الخطاطة «جميلة خالد عوض» سوف تؤلف نمطاً جديداً من الديواني المتداخل، وهذا الأمر يذهب إليه أيضاً «عبدالرزاق المحمود» الموزع البارع للقوى الخطية.
هذه عينة من عشرات الخطاطين المعاصرين في سوريا المعاصرة، لكن الذي يؤسف له ان العديد من محترفات وبيوت الخطاطين في حلب وحمص وحماة تعرّضت للدمار. ان بعض الخطاطين الذين ذكرناهم اكلتهم الحرب فاختفت آثارهم، كما اختفوا هم بدورهم.
لكن سوريا الإبداع الخطي ستبقى علامة من علامات التألق التاريخي لهذا الفن العربي الإسلامي العريق.
عمران القيسي
فنان وناقد