بيروت - لبنان 2022/10/05 م الموافق 1444/03/09 هـ

بيروت محمد خالد

حجم الخط

... كانت بيروت تصحو بعد آذان الفجر حيث يذهب الرجال إلى المساجد ليقيموا الصلاة جماعة...
وبعد قضائها يعودون مترافقين كل إلى منزله يتهامسون في كلام الصباح والدعاء بالخير وبفاتحة يوم مبارك...
ويبدأ النهار بالإتكال على الله.... والنزول إلى العمل بلازمة لا تفارق ألسنتهم.... في قول... توكّلنا على الله... ويا فتّاح يا عليم... يا رزّاق يا كريم...
وكان جُلّ البيارتة تجاراً وأصحاب محلات وبعض الصناعات الخفيفة كالمناخل والمواد الغذائية من سمن حموي وزيت وزيتون وصابون وغيرها..
والتي كان يتجمع معظمها في منطقة البلد... أو في المناطق السكنية التي كانت تسمى (البرية)...
ثم يعود معظمهم بعد الظهر كل إلى منزله حامدا شاكرا على ما آتاه الله من رزقه وكرمه وفضله...
وكانت شوارع ما بين البلد والبرية هادئة وادعة تكاد لا تسمع فيها ضوضاء ولا أصوات نشاز حتى أن كل الناس كانت تعرف أن الصوت بيودّي...
لذلك كنت تسير في الشارع وأي صوت عالٍ يلفت إنتباهك لغرابته...
ولا تشم فيها خاصة في الفجر وعند الغروب إلا رائحة الفل والياسمين...
وفي أحد الأيام كان الحاج محمد الرفاعي عائدا من عمله سيرا إلى منزله بإتجاه البسطة الفوقا.... فسمع صوت بكاء إمرأة وصراخها من إحدى المنازل...
فدعته نخوته إلى الاقتراب للسؤال والمساعدة بعد الإستئذان... عن سبب الصراخ...
فتبيّن إنها إمرأة جاءها المخاض بألم شديد وبرفقتها والدتها فقط... وحالتهم فقيرة مدقعة لا يستطيعون الذهاب إلى المستشفى أو تأمين قابلة وهي على وشك الموت...
فطلب منهم الإنتظار قليلا وذهب مسرعا إلى المرحوم الدكتور محمد خالد الذي كانت مستشفاه قريبة من المنزل في البسطة التحتا... وأخبره بسرعة بالحالة وبفقر العائلة، فأسرع معه الدكتور محمد خالد وأجرى الولادة وأنقذ الطفل والأم...
والحاج الرفاعي ينتظر خارجا... 
ولما تأكّد من نجاح الولادة سأله عن الأجرة فقال له كذا.... فناوله فورا...
وعاد إلى منزله تاركا إياه ينهي عمله...
وفي اليوم التالي أحب أن يطمئن على الوالدة والطفل...
ولما دخل عليهما شكراه كثيرا على عمله وفضله.... وقالا له: بارك الله في هذا الطبيب الآدمي...
 فأجاب بثقة: طبعا آدمي وشاطر هيدا الدكتور محمد خالد الله يوجّه له الخير...
فقالوا له: عند خروجك وضع لنا المبلغ الذي أعطيته إياه كأتعابه... فسرّ الحاج كثيرا...
ثم أخبروه أنه أضاف مبلغا بقدره من جيبه الخاص... ودعا لنا بالخير وخرج...
هذه كانت بيروت الوادعة... وأهلها الطيبين... هذه نخوتهم وكرمهم... وعطائهم لوجه الله... تكافلا وتضامنا ورفعا للضيم عن كل محتاج ومضطر... ومد يد العون لكل قاصر قليل الحيلة...
هذا الحاج محمد الرفاعي...
 وهذا الدكتور محمد خالد رحمهما الله...
ومثلهما الكثير... صورة بيروت الناصعة وأهلها وطيبتهم ووداعتهم وفطرتهم التي زرعها الله في قلوبهم... وتوادهم وتراحمهم وحفظهم لأماناتهم...
سقى الله تلك الأيام...
أيام الخير والبركة...

كاتب قصصي عضو جمعية تراث بيروت


أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 5 10 2022
لا لتهريب اتفاق الترسيم البحري جنوباً
المودع علي الساحلي لدى دخوله إلى المصرف في شتورة قبل توقيفه
أزمة التشكيل تعود إلى النفق بعد شهية التبديل!