بيروت - لبنان

اخر الأخبار

27 كانون الثاني 2026 12:00ص تراجعٌ أخلاقي، إنهياراتٌ متتالية

حجم الخط
منذ زمن وأنا أتابع ما توفره مساحات النشر والتواصل من مواضيع تمسّ مختلف جوانب الحياة، ولاحظت كيف تحوّلت هذه المساحات من أدوات للتعارف وتبادل المعرفة إلى ساحة فوضى كلامية وإنحدارٍ أخلاقي.
لم يعد الخلل محصوراً في الظروف أو الضغوط أو تبدّل الأزمنة، بل بات واضحاً في سلوكياتنا اليومية، في لغتنا، وفي طريقة تعاملنا مع بعضنا البعض.
كلمات جارحة، إتهامات، تشهير، إساءات، ونشر للإشاعات دون وازع أخلاقي أو إحساس بالمسؤولية.
الأخطر في هذا المشهد ليس كثرة الأخطاء، بل إعتيادها، وكأنها أصبحت أمراً طبيعياً لا يستدعي التوقف أو المراجعة.
غاب الإحترام، وتراجعت قيمة الكلمة، وتبدّل معنى الحوار، فصار الصوت الأعلى هو الغالب على صوت العقل والمنطق.
في عرفنا الإجتماعي، كانت كلمة واحدة كافية لردع الخطأ وتصويب السلوك: (عيب).
كلمة بسيطة، لكنها كانت تحمل في طياتها إحترام الذات، ومراعاة الآخر، والخوف من كسر القيم المشتركة.
وفي عرفنا الديني، كانت كلمة واحدة تؤدي الدور نفسه: (حرام).
لا تحتاج إلى تفسير طويل، لأنها تخاطب الضمير والوجدان، وتضع حدوداً واضحة بين ما يجوز وما لا يجوز.
وبعد تغييب هاتين الكلمتين عن سلوكياتنا اليومية فتح الباب أما سلوكياتٍ لا تشبهنا ولا تمتّ إلى قيمنا بصلة.
لم نعد نسأل أنفسنا قبل الكلام أو الفعل:
هل هذا عيب؟!
 هل هذا حرام؟!
بل صرنا نبرر، ونبرع في إيجاد الأعذار، ونغض الطرف عن الخطأ ما دمنا نعتقد أنه لا يمسنا مباشرة.
إن الأخلاق الإنسانية ليست ترفاً، ولا خطاباً مثالياً، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه العلاقات السليمة، وتحفظ كرامة الإنسان، وتمنح المجتمع توازنه.
وحين تنهار الأخلاق، لا يعود لأي تقدّم معناً، ولا لأي إنجاز قيمة.
فربما آن الأوان أن نعيد للكلمة وزنها، وللموقف حكمته لندرك أن ما نقوله ونفعله يليق بقيمنا الإنسانية النبيلة.