محمد الحسن
نحن من جيلين مختلفين بالعمر من جهة وبالحقبات المهنية إذا صحّ التعبير من جهة أخرى.
وكنا نلتقي في بدايات عملي في مهنة الإعلام في طرابلس ولا نتفق على شيء، ولعلّ ذروة الخلاف بيننا نشأت على خلفية تولّي رئيس بلدية الميناء الأسبق المهندس محمد الحلو للرئاسة، وقتها تمسّك الأستاذ مايز الادهمي بدعم عبد القادر بيك علم الدين وشكّل مع المهندس عبد المنعم علم الدين حالة معارضة للمهندس الحلو في مقابل حالة أخرى مثّلها أو تقدّمها الأستاذ أحمد ممتاز كبارة، هذا العظيم أحمد ممتاز كبارة.
فكان كلما دفعت بمقالات تتبنّى سلوك وسياسة المهندس الحلو كانت صحيفة «الانشاء» تهاجمني من دون ذكر اسمي، ولكنها كانت تتحامل على الكلام الذي كنت أسوقه في صحف شمالية وفي صحف بيروتية دعما لمحمد.
ولكن!..
ذات يوم ذهبت صحيفة «الانشاء» بالطبع بقلم الأستاذ مايز الى مهاجمتي ضمنا وأورد بطريقة ذكية بالطبع بعبارة جاء فيها ان مستشاري المهندس الحلو يرون حسنا ما ليس بالحسن، وكانت الرسالة بالغة الوضوح وان التذمّر قد بلغ لدى الأستاذ مني مبلغا كبيرا، ولكني في تلك الحقبة اجتنبت الردّ لأنني كنت اقتنع بان المهندس الحلو يمتلك رؤية واضحة لمدينة الميناء وهو كان قد باشر بذلك على أرض الواقع فأعاد وسطيات وأعاد الحياة لعدد من البرك وبدا بتنظيم مداخل المدينة كما نراها اليوم، ولا أنكر اننا اعتمدنا والمهندس الحلو على خطة موجودة في الأساس في المدينة وهي بديهية، ولكن العمل جرى على تطويرها.
ثم في مرحلة أخرى شاكس الأستاذ مايز الرئيس نجيب ميقاتي، وذات يوم وفي مناسبة عامة علا صوته عليّ منتقدا، ولكن من باب الصدف أن يدخل الرئيس ميقاتي القاعة ويسمع حوارنا وكنت هادئا منضبطا في مقابل ثورة ادهمية معلومة من الجميع.
ولكن المناسبة التي جمعتنا بادئ ذي بدء وقاربت بيننا هي المهنة فكان الأستاذ مايز يحترم تجربتي مع بدايتها في بداية التسعينات، ثم قدّر عاليا وجودي على رأس مكتب صحيفة «اللواء» في طرابلس وتعاطى مع ذلك بروحية مهنية وروحية شخصية محبة للغاية واستمرت الأمور في اختلاف في الرؤى وفي وئام شخصي متقطّع حتى شاركنا معا، أنا وزوجته ابنة الأكارم آل الجسر، في رحلة الى تركيا، هنا تبدّل المشهد تماما، مايز الادهمي رجل حنون محب حريص أبوي المسالك مع الناس وثمة من يقول ان السفر يكشف حقيقة ومعادن الناس وما كشف لي الادهمي كان كافيا لكي أرفع له قبعه الاحترام والمودّة بشكل دائم، ولعلّه بعد ذلك التقى معي في الدعم لعبد القادر بيك علم الدين العائد يومها في الميناء وانسجامه الجميل مع دولة الرئيس ميقاتي والذي عوّل عليه الرئيس ميقاتي جدا فهو كان يحترم التجربة الادهمية ويحترم «الانشاء» واحترم مايز الادهمي وشخصه وتجربته وترجم ذلك بشكل واضح وعملي.
ثم كانت بيننا علاقة أكثر من ممتازة وكنت أتوجه الى صحيفة «الانشاء» فقط لكي أخذ الرضى والتقي عنده في كل مناسبة بأشخاص وبرموز وبأناس من بيئتنا الشعبية من مدينتنا طرابلس الحبيبة الغالية.
كان الادهمي يحمل على كاهله وعاتقه مهنة ويحمل في تجربته عملا سياسيا وميدانيا حزبيا لست بالجهة الصالحة للحديث عنه الآن فلربما يعرف البعض في طرابلس تجربه مايز الادهمي السياسية الحزبية أكثر مني فيتحدث عنها فأفيد من ذلك.
ومايز اليوم ليس خسارة فحسب انه فقد لواحد من أعمدة الصحافة اللبنانية والصحافة المحلية الطرابلسية التي غزتها وسائل التواصل فنخرتها كسوس ولم يبقى منها إلّا أصوات عبر التواصل بدون فائدة ترتجى ولو ان الناشطين يبذلون جهدا كبيرا ولكن التواصل جلّه يتحوّل مع الوقت الى فرقة سيمفونية غير منسجمة كلّ يغنّي فيها على ليلاه وهذا ما يدعو للأسف الشديد.
مايز اليوم في ذمّة الله ونحن لا نرثيه فلعلّه في نتاجه وفي مثابرته وتمسّكه بإصدار «الانشاء» يعلّمنا ان الإرادة فعل إدارة وان الإرادة فعل استمرار وان الإرادة فعل كيان وكينونة.
رحم الله الادهمي العظيم وقدّر لطرابلس الخير كله.