12 شباط 2026 12:00ص حول شعار بيروت

حجم الخط
كميل عيد*

أثار نشر الدكتور الراحل سهيل منيمنة، شعاراً جديداً لصفحة موقع «أرشيف بيروت» Beirut Archives ردود فعل متباينة من جانب القرّاء، فمنهم المرحّب به ومنهم المندهش ومنهم أيضاً المنتقد. يُظهر الشعار دلفيناً ملتفًّا حول رمح ثلاثيّ الشُعب (trident ويُعرف كذلك بالشوكة الثلاثيّة التي كان يحملها بعض المصارعين في الحلبات الرومانيّة) وذلك على خلفيّة لقلعة بيروت. تتعلّق التساؤلات، بطبيعة الحال، بالرمزين الأوّلين وبمدى علاقتهما بتاريخ بيروت وتراثها. الهدف من هذه المراجعة السريعة هو المساهمة في تبديد هذا اللغط من خلال استعراض بعض الأدلّة التاريخيّة والأثريّة التي تؤيّد سلامة الاختيار المذكور وصحّته.
يكتب العالم جول روفييه Jules Rouvier، الذي درّس لسنوات في كليّة الطبّ الفرنسية ببيروت وصاحب مجموعة واسعة من النقود القديمة، في مذكّرة قدّمها عام 1897 لجمعيّة علميّة فرنسيّة أنّه قام بشراء وزن مربّع صغير يحمل صورة رمح ثلاثيّ مضيفاً «إنّ وجود الرمح الثلاثي على هذا الوزن يسمح لنا بأن ننسبه دون أيّ تردّد إلى بيريتوس، التي عُثر عليه في محيطها. فنحن نعلم إنّ هذا الرمز موجود، سواء أكان مصحوباً بدلفين ملتفّ حوله أو بمفرده، على العملات النحاسيّة المستقلّة، وكذلك على العملات الفضّية والبرونزية التي سكّها على التوالي ملوك مصر وملوك سوريا في هذه الحاضرة»، ويضيف أنّ وزناً مشابهاً موجوداً في خزانة ميداليات باريس ويحمل رمز الرمح الثلاثي مع الدلفين سمح عام 1820 للباحث الفرنسيّ ألييه دي هوتيروش Allier de Hauteroche بتحديد أوّل تقويم مستقلّ لمدينة بيريتوس وذلك عام 197 قبل الميلاد.
ويكتب المؤرّخ زياد صوايا، الأستاذ في قسم الفنون والآثار في الجامعة اللبنانية وصاحب كتاب «تاريخ بيريتوس وهيليوبوليس من خلال مسكوكاتهما»، في مقال له صدر عام 2023 بعنوان «الأوزان الهلّينيّة في بيروت - لاذقية كنعان» فيقول «لا شكّ في نسبة رمز الدلفين الملتفّ حول رمح عموديّ ثلاثي الشُعب إلى مدينة بيريتوس. فقد ظهر هذا الرمز على الوجه الخلفيّ للعمـلات البرونزيّـة البلديّة السلوقيّـة التي أصدرتها المدينة في عهد ألكسندر الأوّل بالاس (150) وأنطيوخوس السابع (136-134). واعتُمد هذا الرمز كنمط رئيسيّ للوجه الخلفي للعملات المدينيّة بعد إعلان الحكم الذاتيّ ابتداءً من عام 81/80 قبل الميلاد. بل إنّ رمز الدلفين الملتف حول رمح أفقيّ ثلاثيّ الشعب استُخدم أيضاً على الوجه الخلفيّ للعملة البرونزية التي سُكّت تكريماً لأوائل المستوطنين الرومان في بيريتوس بين عامي 29 و27 قبل الميلاد».
ونضيف استناداً إلى مصادر أخرى ومجموعات عامّة وخاصّة من النقود والأوزان الفينيقية التي تعود إلى العهد السلوقي أنّ رمز الدلفين والرمح الثلاثي قد ظهر أيضاً خلال حكم سلوقوس الرابع (182عام ) وديمتريوس الأوّل (152) وأنطيـوخوس الثامـن (119) وأنطيوخـوس الثانـي عشر (85). ولم تكفّ بيروتوس الرومانيّة عن استعمال هذا الشعار في القرون التي تلتها، حيث نجد نقوداً تحمل شعار الدلفين والرمح بأشكال وأنماط متعدّدة تمّ سكّها خلال عهد أغسطس قيصر، الذي أُنشئت مستعمرة بيروت الرومانيّة في أيّامه، وفي عهود الكثيرين من الأباطرة الذين خلفوه، مثل نيرفا، هدريانوس، أنطونينوس بيوس، كومودوس، سبتيموس سويرس، كركلا (في ظلّ وصاية والدته يوليا دومنا ومن بعدها)، ماكرينوس، ديادوميانوس، إيلاغابالوس (إله الجبل) وحتى غورديانوس الثالث، أي منذ الميلاد وحتّى عام 244، فتكون مدينة بيروت قد استعملت هذا الرمز لأكثر من أربعة قرون متتالية. ونشير إلى أنّ الكثير من هذه النقود يحمل علامة COL IVL AVG FEL BER اللاتينية أي كولونيا يوليا أوغسطا فيليكس بيريتوس (مستعمرة بيروت اليوليانية المبجّلة السعيدة)، وأحياناً باختصار COL BER فقط، أي مستعمرة بيروت.
أمّا الجواب عمّا يرمز إليه هذا الشعار فيتعلّق بالدرجة الأولى بإله البحر بوسيدون (نبتون عند الرومان)، ولكن إذا ما اعتبرنا أنّ اليونان قد «اقتبسوا» آلهتهم عن آلهة الشرق وأبطاله، كما يدلّ الربط الشهير ما بين ملقرت وهرقل، فإنّنا نفهم السبب الذي دفع الكثيرين من الباحثين إلى الربط ما بين بوسيدون وبعل بيريت أو بعل مرقود الذي يقع هيكله في بلدة بيت مري التابعة آنذاك لبيروت، وهذا ما يفسّر وجود رسوم لهيكل بعل بيريت (الذي لم يُعثر عليه بعدُ في بيروت) مع الدلفين والرمح على بعض النقود البيروتية، أو يبدو فيها بوسيدون/البعل إمّا بدلا من الدلفين وهو يتّكئ على الرمح الثلاثي وإمّا حاملا الدلفين بيد والرمح باليد الأخرى. وهناك من يعزو الأمر إلى علاقة بوسيدون بالنشأة الأسطوريّة لمدينة بيروت كما وردت في روايات سنخونياتون (أو سكّنيتن) التي وصلتنا بصورة مجتزأة عن طريق فيلون الجبيلي، حيث يقول أنّ الإله كرونوس أهدى بيريت إلى بوسيدون وإلى آلهة الكابيري المولجة بحماية طرق الملاحة. ومن المؤكّد تاريخيًّا أنّ التجّار البيروتيّين حملوا معهم عبادة «بوسيدون/بعل بيريتوس» لدرجة أّنهم أطلقوا على أنفسهم اسم «البوسيدونيّين» كما يدلّ على ذلك اكتشاف موقع عبادة في جزيرة ديلوس اليونانيّة يعود إلى القرن الثاني قبل الميلاد، حيث يشير هؤلاء التجّار إلى أنفسهم على النحو التالي: «رابطة البيروتيّين، البوسيدونيّون: التجّار، ومالكو السفن، ووكلاء الشحن (أو أصحاب المستودعات)».
مهما يكن الأمر، فإنّ الرابط الأكيد هو العلاقة الوثيقة بين المدينة والبحر، ففي «ناووس السفينة» الشهير الذي اكتشفه جورج كونتونو Georges Conteneau عام 1914 بالقرب من صيدا والمعروض حاليًّا في المتحف الوطني ببيروت نرى بين الأمواج المنقوشة بعناية تحت السفينة دلفيناً ملتفّا حول رمح ثلاثي الشُعب، إضافة إلى سمكة ودلفيناً آخر إلى اليسار. ويذكر دليل المتحف أنّ ربط هذه الأشكال بالسفينة قد يكون من باب التفاؤل والاستبشار بملاحة آمنة في عباب البحر. 
ودمتم آمنين يا أهالي بيروت في حلّكم وترحالكم.

* صحافي مقيم في ميلانو