بيروت - لبنان 2022/07/07 م الموافق 1443/12/07 هـ

د. نزار يونس في (الميثاق أو الانفكاك - الطائف ذلك المجهول) 2/2

إضاءات على محطات تاريخية مفصلية

غلاف الكتاب
حجم الخط

كلمات زميلي لم تفجّر بركاناً ولم تولّد عاصفة، لكنها انسلّت بهدوء، وراحت تتهادى على سطح سواقٍ تتجمّع لتصبح نهراً. هذا النهر، غصت فيه لأفتّش عن قِيَم أساسية ضائعة وعن مفاهيم حقيقية لمبادئ الحق والعدالة والمساواة التي كنّا ندّعيها، من دون أن نعيها، واغتسلت في مياهه ليطهّرني من أدران ما كنّا نتصوّره وعياً اجتماعياً، فيما لم يكن إلا وعياً لذاتنا الطائفية والفئوية.
علّمني نظير، ذلك اليوم، وأنا لم ألتقه بعد عينطورة ولو مرة واحدة، أن أتحرّر من مسلّمات بيئتي الخاصة وأفكارها، وأن أنظر إلى الآخر وأستمع إليه لأفهم مشاعره وأعترف بحقوقه، بحقّه في الوجود العزيز، وحقّه في المساواة، وحقّه في أن يصبح رئيساً للجمهورية أو قائداً للجيش أو رئيساً لهذه الدائرة أو تلك. هذه القناعات أصبحت جزءاً مني. رافقتني مثل عمري. ناضلت من أجلها بالكلمة والموقف، بالإرادة والعقل، بالسياسة والأعمال.
قادتني قناعاتي إلى رفض نظام المحاصصة وفدرالية الطوائف، وإلى رفض التعصّب والتزمّت. آمنت بأن الوطن لنا جميعاً. نحبّه بالمقدار نفسه. لنا فيه الحقوق نفسها وعلينا الواجبات نفسها. شاركت في الحركات المطلبية، ناصرت التيارات التغييرية، ظاهرت أعداء مؤسسة الاحتراف السياسي والفكر الاستئثاري.
أتذكّرك دائماً، يا نظير، وأنتظرك لنشبك معاً أيدينا ونصارع حتى لا يساور فتيان هذا الوطن ما شعرت به من مرارة بُحتَ لي بها، يوم عيد الاستقلال في العام 1953».
هذه الحادثة التي ولّدت لديّ وعياً مبكراً، جعلتني أدرك مسؤولية نظامنا السياسي عن إنعاش الإحساس الطائفي والشعور بالغبن الذي لا بد أن ينتاب كل من يعاني عدم المساواة في وطنه. كذلك أتاحت لي إعادة النظر في الأفكار والهواجس السائدة في بيئتي الخاصة، ودفعتني للإنصات إلى الآخر لفهم أفكاره وللاعتراف بحقوقه: بحقّه في المساواة، وفي العدالة وفي الكرامة الإنسانية.
ندّعي أننا نمارس حياتنا الوطنية في كنف جمهورية برلمانية ديمقراطية قائمة على المساواة بين المذاهب الروحية الممثلة لمكوّنات شعبها، ولكننا نتحاشى الأسئلة التي يشكّل تجاهلها علّة نظامنا السياسي، المناقض تماماً للمبادئ الديمقراطية. فمن هم الممثلون للمذاهب الروحية، قاعدة البناء الديمقراطي؟ هل هم الكيانات الروحية الخاصة بهذه المذاهب الثمانية عشر المعترف بها؟ وما هي المعايير المعتمدة للمساواة بين هذه الكيانات ومن يمثّلها؟ وما هي الآلية الدستورية لاختيارهم؟ وما دور المرجعيات الروحية الممثلة الافتراضية للمذاهب؟ وما هو حجم حصص كل منها؟ ومَن يحددها؟ ومَن يفصل في النزاع في ما بينها، وفقاً للقواعد المعتمدة في الأنظمة الديمقراطية؟
إذا كان المذهب هو قاعدة البناء الديمقراطي، فلا بد له من أن يمارس دور الوسيط بين رعاياه وبين الدولة، ما يقود حتماً إلى إقصاء المواطن عن الشأن العام وتحويل الدولة إلى إقطاعيات مذهبية، والمواطنين إلى أعضاء رازحين في رعايا لم يختاروها، وربما لا تعترف بهم. يبقى أن نتساءل عمَّن يمثّل المذاهب في الممارسة الديمقراطية، هل إنها المرجعيات الروحية أم المواقع النافذة في المؤسسات الدستورية؟ ومَن هي المرجعية التي أولت لهؤلاء حق الإنابة عن المذاهب؟ ومَن يحدد شرعية هذه المرجعيات التي تدّعي تمثيل الطوائف؟ وما هو التحديد القانوني للمواطن في الكيانات الطائفية؟ وهل من الجائز للمنظومة السياسية أن تشكو من وهن في شعور المواطنة لدى المواطنين، إذا كانت الطائفة هي الوسيط بينه وبين الدولة في جميع شؤون الدنيا والآخرة؟
الالتباس الحاصل بين المواطن والمذهب، وبين الشأن الروحي والشأن المدني، أسفر عن إفساد النظام السياسي الهجين، الذي يُفضي، بحكم تكوينه، وآلية عمله، ومقوّمات استدامته إلى حتميّة الصراعات المستمرة بين أركانه، التي تهدأ حيناً وتتفاقم حيناً آخر ولكن يتعذّر تفادي تداعياتها على المواطنين في كل المجالات، ومن أبرزها، على سبيل الذكر لا الحصر:
أ- صراع بين المواقع النافذة في الطوائف، المتوافقة على تقاسم الحيّز العام، والمتصارعة على حجم الحصص الضبابية العائدة إلى المذاهب التي يدّعون تمثيلها، ما يقود، في غياب أي مرجعية دستورية يعتدّ بها، إلى ارتهان هذه المواقع للإرادات والولاءات الخارجية في لعبة الاحتكام إلى موازين القوى المتبدّلة، وينعكس حتماً على إذكاء التفرقة في سبيل الحشد الطائفي والمذهبي.
ب- الصراع بين المواقع النافذة داخل الطوائف على تمثيل المذهب أو الطائفة في النظام العشائري المجلسي، وعلى مَن يحق له أن يتملّك، بالنيابة عنها، الحصص والحقوق، ما يُفضي إلى استبدال التنافس على قاعدة الجدارة بالإفراط في الديماغوجية الزبائنية والمزايدة في مسرحية الدفاع عن حقوق الطوائف والمذاهب، ويستدعي ابتداع الأوهام ونشر الهواجس والمخاوف لشدّ العصب الطائفي وتجييش الأنصار المُغرر بهم.
ج- الصراع الوجودي بين المنظومة وبين القوى الحيّة والنُخب الفكرية والثقافية في المجتمع المدني، الرافضين للتخلّف والإقصاء والتهميش والساعين إلى قيام دولة زمنية ديمقراطية تتيح لهم الانعتاق من الحاجة إلى وسيط بينهم وبين دولتهم. في المقابل، لم تجد المنظومة سلاحاً أمضى من تطييف المجتمع ومعاداة الفكر والثقافة والتصدّي للتحديث في كل المجالات ما يُفضي إلى الإفقار المادي وإلى إحباط المجتمع المدني وتهجير قواه الحيّة.
د- الصراع المزمن بين الشأن الروحي والشأن الزمني الناتج عن الالتباس في التمثيل بين المواقع السياسية النافذة في الطوائف وبين المرجعيات الروحية الناشطة، والذي يسفر دائماً عن علاقات غير صحيّة بين الطرفين، تقود حتماً، إما إلى مزايدات ديماغوجية من المواقع السياسية على المراجع الدينية لشدّ العصب الطائفي وراء الزعيم السياسي، أو إلى خضوع المراجع الدينية لإرادة زعماء الطوائف والتقيّد بتوجيهاتهم، لممارسة دور التحريض بالنيابة عنهم.
كثيراً ما يروّج دعاة الفكر الطائفي الادعاءات المُضلّلة حول الأحداث ذات المنحى الطائفي التي حصلت في بلادنا، خلال القرنين الماضيين، للتأكيد على أن هذه الأحداث والعنف الطائفي الذي واكب الحرب الأهلية المفجعة، هي دليل على تعذّر العيش معاً، للهواجس وللخوف من الآخر. ومن المؤسف أن يتنامى هذا الفكر المفجع، الذي تنقصه الموضوعية ويناقض الحقائق التاريخية حيال ظروف هذه الأحداث وملابساتها وخلفياتها. لكن، على الرغم من رداءة كتب التاريخ، فإن هذه الأحداث بالذات، التي بقيت عصيّة على وحدة اللبنانيين، ولم تحل دون عودتهم بعدها إلى العيش معاً في قراهم ودساكرهم، خير دليل على كذب هذا الادعاء.
من الراهن أن الجنون الجماعي الذي عصف بمجتمع ما قبل الحرب لم يكن، في أكثر الأحيان، تعبيراً عن حقد طائفي كامن، بقدر ما كان تعبيراً عن قلق وجودي مكبوت لدى الفرد في مواجهة تهميشه وشعوره بانعدام الوزن في ظل مؤسسة الاحتراف السياسي العاجزة والفاشلة. ففي سبيل تنقية الذاكرة، وبغية الحد من توظيفها لإحياء الهواجس والمخاوف، علينا أولاً الاعتراف بأن العنف الغرائزي وشهوة إلغاء الآخر، لم يتوجّها في غالب الأحيان ضد الآخر الطائفي، بل كانا موجّهين ضد الآخر، أي آخر. وعلينا أن نعترف كذلك بأن العنف الوحشي الذي مارسته الطوائف والأحزاب، داخل مكوّنات كل منها، تجاوز العنف الذي تبادلته في ما بينها، وأن أيّاً من الكيانات الطائفية لم يستطع تفادي تفجّر العنف الغرائزي وشهوة إلغاء الآخر وقتله بين مكوّناتها الذاتية وفي داخل كل منها.
على الرغم من الهرج والمرج الطائفيين، إني لا أزال أعتقد أن الطائفية لدى الشخص اللبناني ليست مُعطى سوسيولوجياً طاغياً أو ثابتاً، فهي قشرة سطحية، ولا بد من أن تزول، عندما يُتاح للفرد استعادة صفاء ذهنه، في مجتمع محرّر من الآفات التي ولّدها النظام الطائفي المتخلّف. هذا الاعتقاد الذي يناقض الأوهام الشائعة حول نوايا الآخر الطائفي، لم يأتِ من فراغ أو من رأي فوقي، إنما هو حصيلة خبرة شخصية لحياة حافلة بالأحداث وبتجارب العيش المشترك.
تحرّري المبكر من الفكر الطائفي، أتاح لي أن أمارس، طوال عمري، تجارب في مجالات نضالية وسياسية متعدّدة، أكّدت لي فساد ادّعاء منظري الفكر الطائفي. لقد مارست تجربتي الأولى خلال دراستي الجامعية في بيروت، بعد أحداث العام 1958، ذات المنحى الطائفي التي انتهت بشعار «لا غالب ولا مغلوب» والتي لم يسلم من سمومها الطلاب الجامعيون الموزعون على الجامعات الأربع وعدد من الكليّات. لقيت دعوتنا إلى توحيد الحركة الطالبية ونبذ الفكر الطائفي تجاوباً مذهلاً أتاح لنا العمل على قيام الاتحاد الوطني للطلاب الجامعيين، الذي ضم سائر الهيئات التمثيلية للطلاب، والذي استمر حتى العام 1964. وقد أولاني رفاقي شرف رئاسة أول مجلس إدارة للاتحاد في العام 1960، وتولى رئاسته في العام 1963 الطالب نبيه برّي.
في ربيع العام 2000 نشرت كتاباً عنوانه «لبنان الآخر» تناولت فيه أسباب إخفاق لادولة ما قبل الطائف والظروف التي قادت إلى تعطيل تنفيذ ميثاق الوفاق الوطني، قدمت فيه رؤيتي لبناء الجمهورية المدنية المحرّرة من الطائفية والقيد الطائفي، وأطلقت شعار «وطن لا مزرعة»، وقررت خوض الانتخابات النيابية عن الدائرة الثانية في محافظة الشمال، بغية استفتاء المواطنين على مشروع الدولة العلمانية اللاطائفية الذي تناوله الكتاب. كنت أراهن على موقف الأوساط النخبوية، ولكنني فوجئت بتأييد الأوساط الشعبية الذي جسّدته نتائج أقلام الاقتراع في مختلف المناطق والطوائف والأوساط الاجتماعية. جاءت النتائج التي أردتها استفتاء على مشروعي السياسي المعادي للطائفية لتؤكد رفض أكثرية وازنة من اللبنانيين للنظام السياسي الطائفي، ومناصرتهم الحماسية لمن يعارض هذا النظام.
فالزمن الجديد هو زمن تقرير المصير، لقد جرّبنا الأنظمة الطائفية حتى الثمالة ولم تفلح مرة واحدة في بناء دولة ترعانا، فهل حان الوقت، بعد مئة عام، وقبل أن يفوت الأوان، أن نجرّب الدولة الزمنية؟ دولة المواطنة الديمقراطية التي تعاهدنا على بنائها وفقاً للمرتكزات التأسيسية التي حلم بها آباء القضية اللبنانية. فإن لم يسعفنا الظرف والتاريخ في تنفيذ الميثاق الذي عقدناه لقيام هذه الدولة، أليس من الأفضل لنا الانفكاك، بدون مزيد من الحروب ومن الألم والمعاناة؟ ومهما كان هذا الخيار مفجعاً فهو أفضل من الفتنة وممّا نحن فيه.
في ختام هذه الخاتمة أعود إلى البدايات وإلى المسلّمات، فللدولة في علم السياسة أركان ثلاثة: الوطن والشعب والنظام السياسي، ويتوقف على جدارة هذه الأركان وتفاعلها مصير الدولة وبقائها، ومن نافل القول:
- أنَّ لنا وطناً كان خير أوطان البشر، وأكثرها شرعية ومشروعية.
- أنَّ لنا شعباً عظيماً، كان مميّزاً ومحترماً أينما حلّ وارتحل.
- إننا قد ابتلينا بنظام سياسي طائفي فاشل وفاسد بحكم تكوينه ومعطّل لقيام الدولة.
- إننا قد تعاهدنا في مؤتمر الوفاق الوطني في الطائف على استبدال هذا النظام المتخلّف بنظام جمهورية ديمقراطية زمنية مؤهلة لقيام دولة مواطنة محررة من الرجس الطائفي.
- لكننا استبدلنا الميثاق، الذي تعاهدنا على تنفيذه، بنظام المحاصصة الطائفي الذي تحوّل إلى سلاح تآمري لإفراغ الوطن من شعبه ومن تاريخه.
أعود إلى وصيتي، أوجهها للكبار وللصغار، لمن بقي على هذه الأرض ولمَن هُجّر منها، لأذكِّر، بما لم يعد خافياً، أننا في الزمن الفيصل، وأن وجودنا الوطني، هائم بين البقاء والزوال، فإمّا العودة إلى الميثاق، وإمّا العودة عن العيش معاً.
< وصيتي للثوار، وديعة الآباء والأجداد وكل رجائي الباقي، أن يعوا، أن مصير وطنهم مرهون بصمودهم فيه، وبتضامنهم ووحدة صفوفهم حول هدف الثورة المحوري، وهو العودة إلى الميثاق وتشكيل حكومة إنقاذية لاستكمال تنفيذه، ولن نكسب الرهان ما لم توفّر الثورة المليونية المدركة والمسالمة والعاقلة درع حمايتها.
< وصيتي إلى فاعليات المؤسسة السياسية، إن الوقت قد حان للعودة إلى الوطن ولإعادة الروح إلى ميثاق الوفاق الوطني. الثورة ترحب بجميع الفعلة المشاركين في بناء دولة المواطنة الديمقراطية، وفصل الدين عن الدولة، وهي لا تدّعي احتكار الساحة الوطنية، وإذا كان لها أن تسائل المارقين والأفّاقين، فللقضاء وللتاريخ وحدهما حق المحاسبة.
< وصيتي لقيادات حزب الله، أن يدركوا أن لا سبيل لقيام الدولة وللاستمرار في العيش معاً ما لم يُسلِّم الحزب سلاحه لها، التزاماً بأحكام الميثاق. كما إنني أناشد بمحبة شباب الحزب ومجاهديه، الرياحين الطوال، أن يعودوا إلى وطنهم للمساهمة في ورشة بناء دولة الحرية والمساواة والحق والكرامة الوطنية التي نادى بها سماحة إمام الوطن السيد موسى الصدر وجاهد في سبيل تحقيقها.


أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 7 7 2022
قراءة في مآلاتِ حرب أوكرانيا
معمل الزهراني.. من يسعى لإطفاء توليده للكهرباء؟
الحكومة عالقة.. والعهد يستثمر بالترسيم البحري