21 شباط 2026 12:00ص رمضان في الوجدان العربي (4)

مراسم الاحتفال بقدومه.. ليلة العمر الرمضانية والسحور الأول

حجم الخط
إذا كانت «ليلة الرؤية» هي ليلة اليقين، فإن ليلة اليوم الأول من رمضان هي «ليلة العمر» في الوجدان العربي. هي تلك الساعات الفاصلة التي يتحول فيها العالم من «العادية» إلى «القدسية»، حيث تضج الحواضر والبوادي بحركة لا تهدأ، استعداداً لأول لقاء مع الفجر الصائم. في هذه الليلة، يمتزج صخب الأسواق بهيبة المساجد، وتجتمع العائلات حول «السحور الأول» الذي يحمل مذاقاً لا يشبهه سحور آخر طوال الشهر. إنها «ليلة الميلاد الروحي» التي صاغ العرب حولها مراسم احتفالية تتجاوز الطعام والشراب، لتصبح طقساً لتجديد العهود، وتصفية القلوب، واستقبال الضيف العزيز بأبهى حُلة. 

•موكب الغرة» في التاريخ.. كيف استقبلت الحواضر ليلتها الأولى؟ تخبرنا أمات الكتب التاريخية أن ليلة أول رمضان كانت تُعامل معاملة «الأعياد الكبرى». يذكر المؤرخ أحمد بن علي المقريزي في كتابه «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» أن القاهرة في العصرين الفاطمي والمملوكي كانت تشهد ما يسمى بـ «موكب الغرة»؛ حيث يخرج القضاة والمحتسبون بعد ثبوت الرؤية في مواكب تخترق شوارع المدينة، تُوزع فيها الحلوى والشموع على الأطفال، وتُفتح أبواب «المارستانات» والملاجئ ليشارك الجميع في فرحة الاستقبال. وفي دمشق، يروي ابن كنان الصالحي في «يوميات شامية» أن ليلة أول رمضان كانت ليلة «تبييض القلوب»؛ حيث كان الناس يتبادلون الزيارات السريعة لإنهاء أي خصومة قبل بدء الصيام، معتبرين أن «أول ليلة» هي الأساس الذي يُبنى عليه قبول الشهر كله. وكان من طقوس هذه الليلة أن تُعطر المساجد بماء الورد والمسك، وتُضاء القناديل في الشوارع لدرجة أن «الليل يصبح نهاراً»، في تهيئة بصرية ونفسية للأرواح قبل التبتل. 

•دول الخليج والجزيرة.. ليلة «التهنئة» والسحور العائلي في دول الخليج (السعودية، الكويت، الإمارات، قطر، البحرين، وعمان)، تمثل ليلة أول رمضان «ملحمة اجتماعية» تبدأ من المسجد وتنتهي عند مائدة السحور. بمجرد صدور البيان الرسمي، تتبدل ملامح «المجالس» والبيوت. يهرع الصغار لتقبيل رؤوس الكبار، وتنهال المكالمات بعبارة «مبارك عليك الشهر». في الماضي، كان الرجال يخرجون لإشعال النيران في المناطق المرتفعة ترحيباً بالليلة الأولى. يحرص الخليجيون في هذه الليلة على أن يكون السحور «جماعياً» يضم الجد والأبناء والأحفاد. في السعودية والكويت، يتربع «الرز» و«اللحم» أو «الهريس» أحياناً على مائدة السحور الأول كنوع من الاحتفاء بالقدوم. وفي الإمارات وعمان، يحرصون على تناول التمر واللبن والخبز المحلي المدهون بالسمن العربي، معتقدين أن السحور الأول هو الذي يبارك في طاقة الصائم طوال الشهر. 

•بلاد الشام.. «ليلة الأنس» ومراسم «السكبة» المبكرة في سوريا ولبنان وفلسطين والأردن، ليلة أول رمضان هي ليلة «الروائح الزكية» بامتياز. تبدأ ربات البيوت بتجهيز «عجينة السحور» والحلويات الأولى. يذكر التراث الشامي أن «المنادي» كان يطوف الحارات مهنئاً، فترد عليه النسوة بوضع «السكبة» (طبق صغير من الطعام) ليأكل منه، وهي فاتحة لأعمال الخير. يعتمد السحور الأول في بلاد الشام على «الألبان والأجبان» (النواشف)، ويُعد «المعروك» الرمضاني ضيفاً أساسياً. وفي القدس، يزحف المقدسيون نحو المسجد الأقصى لإحياء ليلتهم الأولى، معتبرين أن صلاة التراويح الأولى في رحاب الأقصى هي «صك الأمان» الروحي للعام بأكمله. 

•مصر.. ليلة الفوانيس وسحر «السحور الفوللي» في مصر، ليلة أول رمضان هي «فرحة شعبية غامرة». تنزل العائلات إلى الشوارع مع أطفالها الذين يحملون الفوانيس، ويجوبون الحارات بغناء «وحوي يا وحوي». يذكر الجبرتي في تأريخه أن القاهرة في هذه الليلة كانت لا تنام، حيث تظل المقاهي مفتوحة حتى أذان الفجر. لا يكتمل سحور «ليلة العمر» في مصر دون طبق «الفول المدمس» والزبادي البلدي. يتحول السحور الأول إلى تظاهرة كبرى يشارك فيها الجميع، حيث تزدحم مطاعم الفول الشعبية في «السيدة زينب» و»الحسين» بالناس الذين يودون تذوق أول «لقمة» صيام وسط الزحام الجميل. 

•المغرب العربي.. ليلة «التبخير» والكسكسي الأبيض في دول المغرب العربي (المغرب، تونس، الجزائر)، تأخذ ليلة أول رمضان طابعاً صوفياً وأندلسياً. يحرص المغاربة على «تبخير» المنازل بأجود أنواع البخور (الجاوي والعود) وتطييب الزوايا بماء الزهر. يُعتقد أن هذه الرائحة هي التي «تستجلب» البركة وتطرد النحس. يبرز طبق «الرفيس» أو «الكسكسي» الخفيف في السحور الأول، مع شرب كميات كبيرة من الشاي المنعنع. في تونس، يحرصون على تناول «الدرع» (حساء من الحبوب) الذي يعطي إحساساً بالشبع والقوة. هذه الليلة هي ليلة «اللمة الكبيرة» حيث يجتمع الأقارب الذين لم يلتقوا منذ شهور. سادساً: السودان واليمن.. ليلة «النوبة» و«الزومل» في السودان، ليلة أول رمضان هي ليلة «الخروج إلى الشارع». تبدأ الطرق الصوفية بضرب «النوبة» (الطبول الكبيرة) في الميادين. ويُعد السحور الأول في السودان «عرساً» حقيقياً؛ حيث يخرج الرجال بـ «البروش» (الفرش) إلى الشوارع ليتسحروا معاً، مؤكدين على مبدأ «الجود» منذ اللحظة الأولى. في صنعاء وحضرموت، تُقام في ليلة أول رمضان «الزوامل» (الأهازيج الشعبية) الدينية التي ترحب بالشهر. السحور اليمني الأول يشتهر بـ «الملوج» (خبز التنور) والسمن والعسل، ويُعد «القهوة البيضاء» باللوز مشروب السهرة الأول الذي يجمع العائلة. «السحور الأول».. لماذا هو مميز؟ إن السحور الأول في الوجدان العربي يحمل وظيفة «التكيف النفسي». الصائم ينتقل من نظام حياة إلى آخر، والسحور الجماعي في الليلة الأولى يقلل من رهبة التغيير ويزيد من الحماس. هو «وجبة الاستعداد» التي يشعر فيها الإنسان بقوته وإرادته. كما أن الالتزام بـ «البركة» المذكورة في الحديث النبوي «تسحروا فإن في السحور بركة» يتجلى في أبهى صوره في هذه الليلة، حيث يحرص الجميع على عدم تفويت هذه «البركة الفاتحة». 

•ليلة «النيات» والسكينة أهم ما يميز مراسم هذه الليلة هو «عقد النية». في كل بيت عربي، وعند صلاة الوتر الأولى، يهمس العربي في سره بنية الصيام «إيماناً واحتساباً». هذه «الهمسة الجماعية» عبر القارة العربية تخلق حالة من «السلم النفسي» والوحدة الشعورية. إنها الليلة التي ينام فيها العربي وهو يشعر بأنه جزء من «جسد واحد» سيبدأ غداً رحلة الامتناع عن المادة للارتقاء نحو الروح. 

****

 إن مراسم ليلة العمر الرمضانية والسحور الأول هي «الشهيق الأول» في صدر الأمة قبل رحلة الصيام الطويلة. من «تميس» الحجاز إلى «معروك» الشام، ومن «فول» مصر إلى «كسكسي» المغرب، تظل هذه الليلة هي الرابط المقدس الذي يجمعنا. سيظل السحور الأول هو «ميثاق الحب» الذي نوقعه مع رمضان في كل عام، وسيبقى صوت الأذان الأول للفجر الصائم هو النغمة التي تعيد ترتيب أرواحنا، وتعلن أننا أمة تعشق النور، وتكرم الضيف، وتجد في الصيام أعظم معاني الحرية والارتقاء.