19 أيلول 2023 12:00ص زلزال مراكش

من زلزال المغرب من زلزال المغرب
حجم الخط
وقف الرحّالة اللبناني أمين الريحاني العظيم، ذات يوم على المغرب الأقصى، نظر إلى الساحل المتوسطي، قال بدهشة وإعجاب: هذا الساحل أعرفه، أعرفه من قبل. هذا الساحل تشابه عليّ. هذا الساحل، هو الساحل اللبناني. ساحل بلاد الشام على المتوسط. سأله من كانوا بصحبته، قال: صدّقوني: أعرف هذا الساحل المغربي كله، في الساحل اللبناني كله.
وعندما كان يتعرّف إلى أهل المغرب، كما في كتابه الذي وضعه عن رحلته: «المغرب الأقصى»، كان يحدّث بكل ثقة، انه يجد نفسه، وكأنه بين أهله وأقاربه وخلّانه. كانت طبيعة المغرب تحمله، على أنه لم يفارق لبنان، لشدّة الشبه بين المغرب ولبنان، لشدّة التشابه بينهما.
كانت جبال المغرب، تذكّر الرحّالة العظيم أمين الريحاني، بجبال لبنان. وكانت قرى المغرب، تذكّره بقرى لبنان، وكانت الجداول والأنهار تثرثر في أذنيه، فتوقع له الثرثرة المغربية، باللهجة اللبنانية. وحين إلتقى بجلالة ملك المغرب، محمد الخامس، واستقبله ذلك الاستقبال العاطفي الغامر والمشبوب بالعاطفة، دوّن في كتابه المغرب الأقصى: كنت بين أهلي وأخوتي، كنت بين أحبتي. كان أخي جلالة ملك المغرب، مليكا على قلبي، سوف لا أنساه، كما لا أنسى المغرب وشعبه، ما حييت.
كنت أقرأ ذلك وأنا طالب في السنة الأولى في دار المعلمين، وهي تعادل الصف الثانوي الأول، كنت في السادسة عشرة من عمري، كان كتاب أمين الريحاني عن المغرب، جائزتي، تسلّمتها من مدير دار المعلمين والمعلمات بطرابلس آنذاك، الراحل الأستاذ نزيه كبارة، لفوزي بين أترابي في دار المعلمين والمعلمات، بالقصة القصيرة.
جعلني كتاب أمين الريحاني أنقلب على نفسي، أحمل هويتين: هويتي اللبنانية، وهويتي المغربية. حقا عشت هذه الإزدواجية في الهوية، من شدّة العشق للمغرب، من شدّة تأثري بكتاب الريحاني: المغرب الأقصى. دلّني الريحاني حقا، كيف يكون التعشيق بين هويتين متدانيتين، بين هويتين متباعدتين.
كانت فرصتي أن أزور المغرب بالمصادفة، أثناء الحصار على ليبيا. نزلت بصحبة الوفد الجامعي، في تونس الخضراء، اغتنمناها فرصة عظيمة لزيارة المغرب قبل السفر برا إلى ليبيا، بعد إلحاحي على مضيفينا من الأخوة الليبيين، لشدّة الرغبة في أرض الريحاني، أرض المغرب الأقصى. وآذرني في ذلك زملائي في وفد الجامعة اللبنانية، لشدّة عشقه لأرض المغرب، وما قرأوا كتاب الريحاني، ولا تأثروا به مثلي، كان عشقهم عشقا أصيلا، وكان حبهم حبا دفينا. كانت الأجيال اللبنانية تهوى المغرب، بالأصالة عن نفسها، وبالوكالة عن الأجداد، الذين كان قد سبق الهوى إلى نفوسهم، من خلال حكايات الأجيال المعاصرة والقديمة.
كنت وأنا، أتجول في مراكش وفي الدار البيضاء، وفي طنجة، أشعر أنني أقرأ في كتاب أمين الريحاني: المغرب الأقصى. أتأثر تأثره، وأتحقق أثره. كان أمين الريحاني دليلي إلى المغرب، ودليل المغرب إلى قلبي. كنت أتذكّر كل كلمة قرأتها عن المغرب، وأنا في عجلة من أمري، في جولة خاطفة لأيام ثلاثة، ما ذقت فيها طعم النوم.
كانت فرصتي حقا، للتعرّف على المغرب وأهله: على طبيعة المغرب، على مدن وقرى المغرب. رأيت لبنان هناك بعيون مزدوجة أكدت الحقيقة لقلبي: عيون أمين الريحاني، وعيوني. آه ما أجمل المغرب! آه ما أعظم أرض المغرب: جبالا وتلالا ومدنا وقرى وأودية وينابيع وأنهار! آه ما أجمل الواحات والصحارى في المغرب الأقصى، خصوصا مغرب أمين الريحاني.
ضربني الزلزال الذي وقع مساء الجمعة: 8/9/2023، في المغرب، وأثقل على مدينتي التي أحببت، مدينة مراكش اللبنانية/ مدينة مراكش المغربية. أوجعني حقا وأوجعها. أوجع اللبنانيين عموما، تماما كما أوجع أهل المغرب. تناهى إلى سمعي أنين جميع أهل المغرب، وخصوصا منهم، من طاله الزلزال بالأذى، تماما مثلما تناهى إنفجار مرفأ بيروت إلى أهل المغرب، فكانت أول حملة للإغاثة حملتهم. وكان أعظم الحزن على بيروت هو حزن جلالته، وأهله في المغرب.
وجدت ذلك الأنين يخالط أنين جميع اللبنانيين، حتى كأني أشعر، أنه أوجع أستاذي، أمين الريحاني، في تربته. إهتزّت الترب كلها في لبنان أمام عيني، لإهتزاز ترب أهلنا في المغرب.
ما هذه العاطفة الشجيّة بيننا، نحن اللبنانيين، وأهلنا في المغرب: عناق أخوين، عناق ساحلين شقيقين، عناق قارتين شقيقتين سمراوين، على المتوسط، عناق بلدين شقيقين، عزاء أخوين، عزاء ساحلين، عزاء القارتين السمراوين، ودمعتين ساخنتين حزينتين: واحدة على خد الصحراء، والثانية على خد المتوسط.

أستاذ في الجامعة اللبنانية