21 شباط 2026 12:00ص سيكولوجية الجماعة في كتاب «نحن والحمير في المنعطف الخطير»

حجم الخط
يُعدّ كتاب «نحن والحمير في المنعطف الخطير» للأديب اليمني محمد مصطفى العمراني نصاً سردياً ذا طابع اجتماعي - إنساني، يتجاوز حدود الحكاية المحلية ليطرح إشكاليات بنيوية تتصل بعلاقة الإنسان بالتهميش، وبالحرمان بوصفه حالة مستدامة لا ظرفاً عابراً. فمن خلال سياق قروي بسيط في ظاهره، يعكس الكاتب صورة مصغّرة عن واقع عربي أوسع، تتكرّر فيه المآسي لا بسبب انعدام الإمكانات وحدها، بل نتيجة تعطّل الوعي الجماعي وغياب فعل الاختيار.
ينطلق العمراني من حادثة واقعية شديدة القسوة، إذ يروي معاناة أهل قريته الذين كانوا ينقلون مياه الشرب من عين بعيدة، مضطرّين في طريقهم إلى سلوك منعطف خطير بمحاذاة وادٍ سحيق، تسبّب عبر السنوات بسقوط عدد من الأطفال مع الحمير ووفاتهم. ولا تُقدَّم هذه المعاناة بوصفها حادثاً فردياً أو مأساة معزولة، بل كواقع جماعي متكرّر، ما يمنحها بُعداً رمزياً عميقاً. فالماء، بوصفه شرط الحياة، يتحوّل إلى علامة على الحرمان البنيوي، بينما يغدو الطريق الخطر شاهداً على الإهمال المزمن وغياب الحلول المؤسسية.
غير أنّ النص لا يتوقّف عند توصيف المأساة، بل يبلغ لحظته المفصلية حين يجتمع وجهاء القرية لمناقشة هذا المنعطف وإمكانية إيجاد حلّ يجنّب الأهالي تكرار الكارثة. وهنا يتدخّل الكاتب، الذي سبق أن تعرّض للسقوط في الوادي في طفولته، بسؤال يبدو في غاية البساطة: «لماذا لا تسلكون طريقاً آخر أكثر أماناً للوصول إلى العين؟». غير أنّ الإجابة تأتي صادمة: «نحن نمشي وراء الحمير، وهي من تسلك بنا ذلك الطريق». ومن هذا الجواب تحديداً تظهر الإشكالية الأساسية للنص: كيف يمكن لجماعة بشرية واعية بخطورة طريق ما، ومجرَّبة في مآسيه، أن تستمر في سلوكه دون اعتراض؟ وهل يكمن سبب المأساة في قسوة الطبيعة وحدها، أم في سيكولوجية جماعية تُعطّل فعل الاختيار وتحوّل الخطر إلى قدر مقبول؟ إن السؤال لا يتعلّق بغياب البدائل، بل بغياب الإرادة الذهنية لتخيّلها.
من منظور سيكولوجية الجماعة، يكشف النص عن آلية نفسية تقوم على الاعتياد، حيث يفقد الخطر مع التكرار قدرته على إثارة الخوف. فالمسار الخطر، رغم نتائجه القاتلة، يتحوّل إلى جزء من النظام اليومي للحياة وخيار دائم، ويُعد من الأمور «الطبيعية». فالمجتمع، بدل البحث عن مسار بديل، يواصل السير في الطريق ذاته، وكأنّ الخطر قدر لا يُسائل. وهنا يبرز مفهوم الاعتياد بوصفه آلية نفسية مركزية. أما التطبيع مع الخطر فيشكّل آلية دفاع جماعية، إذ يسمح للأفراد بالتعايش مع واقع قاسٍ دون تحمّل عبء التفكير في تغييره. وهكذا، لا يصبح الاستمرار في سلوك المنعطف فعل جهل، بل فعل تكيّف نفسي مع واقع مأزوم.
وتتجلّى هذه البنية النفسية بوضوح في صورة الحمار، التي تتجاوز كونها عنصراً واقعياً لتغدو رمزاً سيكولوجياً عميق الدلالة. فالسير خلف الحمار لا يعني الاتباع الحيواني فحسب، بل يعكس إسقاط الجماعة لمسؤولية القرار على عامل خارجي، بما يخفّف عنها عبء المحاسبة الذاتية. وفي إطار سيكولوجية الجماعة، يمثّل هذا السلوك شكلاً من أشكال الامتثال، حيث يذوب الفرد في الجماعة ويتخلّى عن استقلال حكمه، لأن التفكير الفردي يهدّد التوازن النفسي القائم على الطاعة والعادة. والمشي خلف الحمار هو مشي خلف العادة والموروث، حيث تُسلَّم القيادة لما هو أسهل وأقدم، لا لما هو أكثر أماناً أو عقلانية. في هذا السياق، يوجّه العمراني نقده إلى العقل الجمعي الذي يقبل التبعية بدل المبادرة، ويبين كيف أن غياب السؤال هو جوهر الأزمة. فدهشة أهل القرية من اقتراح طريق بديل لا تعبّر عن رفض عقلاني، بل عن انقطاع طويل عن فعل التساؤل نفسه. إن السؤال، رغم بداهته، لم يكن مطروحاً أصلاً، ما يدلّ على تعطيل الفعل النقدي داخل الجماعة. وهنا، لا يكمن الخطر الحقيقي في الطريق، بل في تعليق العقل، وفي تحوّل الجماعة إلى كيان يعيد إنتاج السلوك ذاته مهما كانت كلفته الإنسانية.
ختاماً، تعتبر رواية العمراني مرآة تعكس عورات المجتمعات التي تفقد بوصلتها العقلية وتغرق في التبعية العمياء. إنها قراءة فلسفية–نفسية عميقة لحالة إنسانية يتحوّل فيها الخطر من معطى مادي إلى بنية ذهنية جماعية، حيث تستمرّ جماعات كثيرة في سلوك مسارات أثبتت فشلها، بدافع الخوف من كسر العادة أو تحمّل مسؤولية القرار. والمنعطف الأخطر ليس ذاك القائم في الطرقات، بل ذاك الذي يستقرّ في العقول، حين تختار الجماعة أن تمشي خلف ما اعتادت عليه، لا خلف ما يحفظ حياتها وكرامتها. ومن هنا يظهر الخيار الإنساني الأسمى: إمّا أن نستمر في السير خلف «الآخرين» دون تفكير فيقودنا ذلك نحو المنعطف الخطير، أو أن نتحلّى بشجاعة التغيير ونشق لأنفسنا درباً جديداً يليق بكرامتنا الإنسانية، ووعينا وحرية النقد والتعبير.