بيروت - لبنان 2022/05/24 م الموافق 1443/10/22 هـ

صالح الرفاعي في كتابه «من يصنع صورة الزعيم؟»: سوسيولوجيا الصورة

غلاف الكتاب
حجم الخط

هل يجب أن يناقش المصوّر فنه، فن الصورة التي شغلته وإنشغل بها، طوال أكثر من خمسين عاما؟.. يناقش الصورة، فنا وموضوعا ومجتمعا ومصورين؟..
هذا السؤال العريض، شغل المصور والفنان اللبناني - البيروتي، صالح الرفاعي: «من يصنع صورة الزعيم؟ ط.1 - 2022 بيروت - لبنان. دار المؤلف - الإمارات العربية المتحدة - أبو ظبي. 200 ص تقريبا».
أهمية الموضوع، أنه يُعدّ تاريخا لصيقا بالحدث نفسه، نظرا إلى خصوصية الصورة التي تسجلها كاميرا المصور، والتي توثق للحدث وللشخصيات وللمجتمعات، التي يصنعها الحدث، تماما مثلما هي تصنع الحدث، على قاعدة، مما يسمّيه العالم الإجتماعي دروكهايم: «الإرتداد المماثل، للإرتداد المماثل».
يراوح الكتاب في تناوله للصورة، بين التحليل الموضوعي، وبين التحليل الشخصي، ليبحث عن معنى الصورة بعامة، وعن معنى صورة الزعيم بخاصة. وبالتالي عن معنى تخليد البرهة: برهة النصر، وبرهة الهزيمة وبرهة الحياة السياسية وبرهة الحياة العامة على حد سواء.
يطرح المؤلف المصور، الأستاذ صالح الرفاعي الأسئلة المشروعة، حول ماهية الصورة المؤسسة للزعامة، وسبب ندرتها، إلى جانب ضرورتها. وهو يرفض الرأي القائل بأن الجماهير، أو بالحد الأدنى، الناس، مثقلون، بالتحيّزات والمغالطات والأوهام. لكنه يناقش، كيف أننا في الواقع، نفكر بطرق عقلانية، في السياقات المنخفضة التقنية، التي نقضي فيها معظم حياتنا، ولكننا نفشل، في الإفادة من أدوات التفكير القوية، التي إكتشفناها على مدى آلاف السنين، بحيث كانت الصورة، هي أول المعارف.. هي أول العبادات.
يعود المؤلف الأستاذ صالح الرفاعي، إلى دراسة دور الصورة التسجيلية، الفوتوغرافية، في توضيح خصائص هذا الفن التصويري، خصوصا في بناء التاريخ السياسي، إرتفاعا وهبوطا، إبتداء من القرن العشرين، حتى اليوم، متحدثا عن تاريخ الصورة بشكل عام وعن تنوّع أشكالها، وعن نشوء طرز تصويرية متنوعة، ميّزت تصوير الوجوه، وتصوير القاعات وتصوير العمارات، وتصوير المكاتب، وتصوير الإجتماعات، وتصوير الخطباء وتصوير الجماهير وتصوير المحافل الخاصة والمحافل العامة. مشيرا إلى التقاليد التي كانت ترافق مهنة التصوير والمصورين، بحيث تبيّن الحدث بوجهه الغشيم، و تبيّن الحدث بوجهه اللئيم، و كذلك الحدث بـ«وجه الزعيم». كاشفا عن الدور الذي لعبته الآلة الحديثة (الكاميرا)، والشاشة الصغيرة والشاشة العملاقة، بالإضافة لـ«لعبة الزوم»، عن الترويج والتسخيف، من خلال التصغير والتعظيم والتحقير، للدور الذي يريد المصور، أن يصوره.
كتاب الأستاذ صالح الرفاعي، يحذّر من إخضاع المصور وفن الصورة الفوتوغرافية الكلاسيكية أو المعاصرة، للتبعية، ولمعايير الصلاحية القائمة، على مدى توافق، أو عدم توافق الصورة مع الحاضر السياسي، أو مع الإهتمام الإجتماعي أو السياسي. وهو بالتالي يوجّه نقدا حادّا، لأولئك المصممين على إعادة توجيه الصورة، لخدمة أهدافهم. وهذا ما يعدّه المؤلف، تسلّطا غير مشفوع، يهدّد إستقلالية المصور وفن الصورة وفن التصوير.
الصورة، بحسب الأستاذ صالح الرفاعي، يجب أن تظل نتاج عملية، تقف بمعزل عن جزء من حياتنا السياسة وهذا سيبقي على دورها المثير للأفكار. وهي تثري في الوقت عينه، حياتنا، بدلا من تحوّله، إلى مجرد حامل رسائل مقيت. فهذا النمط من التفكير، إنما يرتكب خطأ، بإهدار القيمة، وبإهدار الدور وبإهدار البرهة. فـ«إسناد الدعاية إلى الكبار، لن يزيد الأمر إلا سوءا»، على حد قول الناقدة الأميركية «فلانيري أوكونور: 1925-1964». فالصورة صياغة فنية، ويجب عدم حرفها عن دورها.
يشتمل كتاب المصور الأستاذ صالح الرفاعي، على مقدمة وسبعة فصول. أخذ في المقدمة، بطرح الأسئلة. فهو يعتبر أن الأسئلة التي يطرحها الكاتب على نفسه، هي التي تصوّب مسار الدراسة. فثقافة الأسئلة هي المعيار الأساسي، لحسن تقديم الأجوبة. وقديما قيل: «حسن السؤال، نصف العلم». لينطلق فيما بعد بالحديث عن الفروقات بين صورة البطل، وصورة الزعيم. فهو يتساءل: ما إذا كانت صورة الزعيم، قابلة للتغيير.. وما إذا كانت فلترة الصورة وتلميعها ضرورية لإنجاح الصورة. ثم يوضح مفهومه لإنقلاب الصورة، كما مفهومه لصنّاع الزعيم.. ويرسم لنا الصورة الذهنية للزعيم. ثم يتحدث عن الزعيم كرمز، مؤسّسا على الثقافة البصرية، التي هي من البديهيات كما يقول. لأنها تبدأ في المنزل، وتتركز في المدرسة. وتصقل في الدراسة الجامعية. «فتاريخنا وحياتنا ومستقبل البشرية مبني على توثيق الحالة الفوتوغرافية في كل المجالات» (ص:12). وفي خواتيم التقديم يقول إنه من الضروري لفهم الزعيم، أن نتمتع بثقافة بصرية متطورة. وإن كتابه هذا الذي بين يدينا، إنما ولدت فكرته، من حاجة المكتبة العربية إليه. فقد قام من خلاله، لنقل وتقديم خبرة نصف قرن له مع الكاميرا. فقد ضوأ كتابه على جوانب للحياة البصرية، تماما مثلما ضوأت الكاميرا على حقيقة، بحجم الواقع المعاش. ولهذا نراه يباشر في كتابه متابعة الفصول التي تناقش وتدرس وتوضح كثيرا من الأمور المتعلقة بهذه المهنة الجسورة والتاريخية:
1- في «لمحة تاريخية»، يتحدث أولا عما أسماه: «الصورة الوجهية»، التي تهتم بتصوير الوجه. فينقلها إلينا إبتداء من فن الرسم، إلى بداية الفن الفوتوغرافي. متحدثا عن «تاريخ البورتريه» القديم والحديث. وعن التنافس على البورتريه. متوقفا عند (موناليزا - Mona Lisa) و«الفتاة ذات القرط»، وهي من رسم الفنان الهولندي يوهانس فيرمير. وعن «الفريدتان» للفنانة المكسيكية فريدا كاهلو. و«السيدة في الذهب»، وهي عبارة عن بورتريه لأديل بلوخ باور الأول، من صنع الفنان النمساوي: غوستاف كليمت، صاحب «القبلة» الشهيرة. كذلك تحدث عن القوطية الأميركية، لوحة الأميركي غرانت وود - 1930. كذلك تحدث أيضا، عن «البورتريه السياسي»، في شرح ضروري.. مقدّما رأيه في الأديان. ومن مسألة «إباحة التصوير»، ومن «فلسفة الصورة»، خاتما هذا الفصل الجميل، بالحديث عن «علاقة الصورة بعلم النفس»، مستشهدا بقول عبد العالي معزوز: « تستثمر في الصورة الإشهارية رسائل لإثارة الرغبات الدفينة والبدائية في الإنسان، مثلما يعلّمنا التحليل النفسي، وتوظيف إثارة الرغبة في سبيل ترويجها، بما يضمن إنحياز المشاهد لها، من دون أن يفطن لذلك» (ص29).
2- يتحدث الباحث، عن «عصر الصورة» في الفصل الثاني، إبتداء من إكتشاف الكاميرا، وصولا إلى بدايات التصوير. متوقفا عند أصل كلمة تصوير المشتقة من كلمتين يونانيتين: Phto/ ضوء، وGraph/ رسم. متتبعا إنتشار صوة البورتريه، لدى الأوائل: روبرت كورنيليوس وريتشارد بيرد وجان كلاوديت، ونادار، وجوليا كاميرون وألفين لانغدون كوبيرن. ثم نراه ينتقل للحديث عن الصورة والمجتمع، وعن الصورة الأيقونية. متوقفا في ختام هذا الفصل الشيّق، عند الصورة الأيقونية: للمصور الفوتوغرافي الأميركي: «الفتاة الأفغانية»، لستيف ماكوري.
3- يتابع الباحث أيضا، «صور البورتريه السياسي» في الفصل الثالث. يشرح إيديولوجيا الصورة، ومفهوم الصورة الوجهية، ومفهوم الصورة السياسية في العالم. متابعا الحديث عن الصورة والسلطة. منتهيا للقول في ختام هذا الفصل: «عندما لا يملك الرجل السياسي سحر الطلّة، عليه أن يمتلك سحر الخطاب ومعرفة توجه الجمهور» (ص81).
4- ويفرد الباحث فصلا مهما لمصور الرئيس، هو: «مصورو الرؤساء». يتحدث فيه عن أول صورة سياسي في العالم، ألتقطت لرئيس أميركي. وهو الرئيس السادس: جون كوينسي آدامز (1825-1829)، إلتقطها فيليب هاس العام 1843. يتحدث كذلك عن: «مصورو البيت الأبيض»، و«مصورو البورتريه السياسي العالميون». ويختم هذا الفصل بالحديث عن المصور جمال البنجويني، مصور رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، الذي يقول عن صوره: «إنها تعبّر عن واقع حال العراق وشخصية الكاظمي، ومهمته تكمن في إظهار الشخصية الحقيقية للناس».
5- هناك بحث طويل عن «الصورة السياسية في لبنان»، متتبعا بدايات الصورة السياسية، متوقفا عند إستديو عائلة بونفيس، أبرز المصورين. متحدثا بإسهاب عن عائلة الصابونجي، في هذا المجال. وعن عائلة صارفيان والعصر التجاري للصورة. وعن سورين غولبنك، الذي كان مصورا بالوراثة. وعن المصور آزاد الذي لقبه بسيد الألوان. وعن المصور: فاروجان سيتيان، أستاذ الصورة الوجهية. ثم ينتقل للحديث عن واقع الصورة السياسية الصحافية. كذلك يتحدث عن: «مصورو البورتريه السياسي في لبنان»: لبيب أبو ريحان، الذي إعتبره ضحية أرشيفه السياسي. وسامي مزمانيان، الذي وصفه بالمصور الصامت. وإدوار تمريان، وهمبار نركيزيان، وعبد الرحيم اللاز، وجوزيف فضول، والمصور علي علوش، وميلاد أيوب، وأنطوان دالاتي، وصفه فقال عنه: إنه مصور الجمهورية اللبنانية. منتهيا للحديث عن الصورة في مواسم الإنتخابات، وعن صور «السيلفي» ودورها السياسي، وعن رأي علم النفس والإجتماع بصورة الزعيم.
6- يتحدث الكاتب عن: «جدل العلاقة والصورة والزعامة»، في الفصل السادس. متسائلا أولا: زعامة الصورة، أم صورة الزعامة؟. ويتابع: لكل صورة زعيم، قصة. بشير الجميل: رئيسا. وليد جنبلاط عاشق الصورة. الرئيس كميل شمعون وأول مطاردة (بابراتزي).
7- في الفصل السابع والأخير، قام المؤلف بتكوين: «ألبوم صور زعماء لبنانيين من الذاكرة»: علي سيف الدين شاهد على الأزمنة والأمكنة. وضحكة الرئيس سليم الحص. وصور الزعماء في كل مكان. وختم كتابه/ السفر، بـ: لقطات من عمق الذاكرة: جنبلاط - الأمير عبدالله بن سعود، وعميد الجمهورية ريمون إده، والرئيس صائب سلام والعائلة المصورة، وموسى الذوقي واللقطة الحاسمة، وإبراهيم الطويل واللقطة الخادعة، ووجهان مبتسمان... وجهان مهمومان، تصوير المؤلف صالح رفاعي للرئيس أمين الجميل وإبنه بيار الجميل 2004.
صالح الرفاعي فنان بصري ومصور فوتوغرافي، وهو إلى ذلك، أستاذ جامعي، وباحث وكاتب ومؤسس ورئيس تحرير مجلة فن التصوير. وهو عضو في جمعية الفنانين التشكيليين في لبنان، وعضو نقابة الفنانين التشكيليين في لبنان. عُرف بخبرته في فن التصوير. فهو أحد مؤلفي كتاب «البحث عن الحقيقة (التلاعب بالصورة)» 2017. وله كتاب: تعليم التصوير الصحفي - 2013.
أستاذ الفن الفوتوغرافي في كلية الفنون الجميلة والعمارة. وهذا الكتاب الذي بين يدينا، هو ثمرة عمله الطويل، في دنيا الكاميرا والفن معا في آن.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية


أخبار ذات صلة

مستخدمي المعاينة الميكانيكية في الشارع
اضراب للمستشفيات والأطباء الخميس والجمعة .. أبو شرف: لوضع حد [...]
ليبيا.. اجتماعات بين قوى عسكريّة بحثًا عن مخرج للأزمة