«حملت لمياء روايتها فخورة ونظرت إلى الجمع نظرة عميقة وقالت: «أتمنى أن تمتعكم هذة القراءة، وأن تترك فيكم أثرا، والأهم أن تدفعكم إلى الإمساك بخيوط مصائركم، كي لا تصبحوا يوما مجرد أبطال في رواية ليست لكم».
لأول مرة نقرأ روايات عدة في رواية واحدة: فـ «عيون بيروت - 235 ص.» لعزة طويل، إنما تجسّد إستمرارا لخط جديد في الأدب الروائي الحديث، كانت بدأته سابقا. وتتمثل الجدة المحدثة فيه، أن كل قسم منه، إنما يتناول موضعا من المواضيع الحياتية لدى الأجيال ولدى لوحات المدينة، بحيث يصير القارئ أمام مكتبة كاملة، لا أمام رواية واحدة، وكأنها بذلك، كانت مدفوعة دفعا في سياق أنطولوجي، فرض نفسه عليها، وما كان لها خيار، إلّا في التحديث والإندفاع، لتأكيد «الموديل» السنوي لها، حيث تحشد فيه كل تجربتها، تماما كما تحشد فيه، كل شغفها في تجربتها المتألقة الجديدة.
«نظرت إليه وهو يخرج من باب البناية ببطء لا يخلو من رشاقة، طويل، كتفاه مستقيمتان، واثق، ووسيم. كما أن كاميرته معلقة طوال الوقت على رقبته، حتى لتخال أنه يخاف الإبتعاد عنها، أو أنه بدونها يضيع».
«عزة طويل. عيون بيروت. شركة المطبوعات للتوزيع والنشر- بيروت 2026».
إختارت الكاتبة، أن تقصّ علينا تجربتها وتجربة جيل كامل، تنتمي إليه، أو كان قد سبقها.
هو جيل من الشباب بميعة الصبا، يترقرق بين دفتي روايتها. تتألق الروائية عزة في مرآة كتابها، من خلال ما صنعته لنفسها، ومن خلال ما صنعته لغيرها: زينة وتوصيفا وبوحا وكشفا، فهو أدب الصنعة حقا بكل المقاييس المعتمدة، ربما أفادت من خبرتها في هذا المجال: تنضيدا وتوثيقا ومراجعة وثقافة، وهي التي لها باع طولى في هذا المجال، على إمتداد صنوبرة عمرها.
«كنت جالسة على الطاولة في الموفنبيك، حين جاء كنان. وصلت قبله أراقب البحر. قبّلني على خدي. ثم جلس في مواجهتي، فجعل الهواء من حولي يعبق بعطره. كانت الكاميرا معلقة على عنقه».
أزعم أن عزة طويل، كانت كل يوم تقمش رواية، لإمتلاء أضابيرها وأجنداتها وقراطيسها وكذا... كراريسها، بكل محتويات المنضدة، التي تجلس أمام مرآتها عادة: عرائس أدب وأشعار وقصص ولوحات. عروسا عروسا... فتندّى عطورها على المنضدة التي تركتها ورائها، وتعبق المرآة بأنفاسها.
«لا يتوحد الناس فعلا سوى حين يغمضون أعينهم. عندها، لا تلمع عين دون أخرى، ولا يغلب لون على آخر... حين يغمض الناس عيونهم، يغلب أسود واحد على المشهد. تسقط الصورة المباشرة، ليفتح باب الذاكرة، لكن كيف نقنع شخصا أعمى بضرورة الصورة؟».
عيون الصبايا والشباب، وعيون بيروت في ساحاتها وفي شوارعها وفي عماراتها، إنما هي كلها في حركة واحدة. وهذا النوع من الإبداع الروائي، لم يسبقها إليه أحد. لأن الروائية عزة طويل، إنما هي بنت بجدّتها، أفرغت يديها وقلبها في القراطيس، وأفرغت كذلك نور عينيها، صارت طاولتها حديقة لقصاصات الروايات كلها. وما كان على الروائية إلّا أن تعيد إحيائها من جديد. تعيد إنباتها في خطاب أنطولوجي شديد العذوبة، لشغف ذاب في بدنها الناحل، وهي تسعى.
«ذات مرة سألني رامي إن كنت أفضّل الأدب على الجنس. قلت نعم بحزم ووضوح. كان من الطبيعي له أن يستغرب إجابتي، ومن الطبيعي لي أن أستنكر السؤال، ذلك أنني لطالما آمنت بأن الجنة مرتع الأدب».
كلما كان الشوق يعاودها، إنصرفت إليه عزة، بشقيها: شق الورقة وشق قلمها. حتى تصير شق، الكاهنة. كأن الشغف القديم الذي حلّ فيها، إنما ينبجس على حين غرة، حين تفرد لها أوراقها، أو حين تقوله يداها.
«كان التعب باديا على وجهها، فإنتابني شعور عميق بالذنب. لكن الذكرى أشعلت في داخلي أمواج لم أستطع كبدها. لم يكن لأمي يد في ما حدث. فلم أتمكن من توجيه غضبي إليها. أين كان يفترض بي أن أوجه كل هذا الغضب؟».
لا تستبدل عزة طويل شقاوة الإبداع، بدعة السكينة والرخاء، وكأنها خلقت للشقاوة وحدها، منذ يفاعتها، تستعير من الزهرة البرية نهوضها اليومي إلى الشمس، على حافة الرابية، دون أن تمل، دون أن تخشى. كأن الوعورة ، هي درب الحياة المحببة لها. إنها الخيارات الصعبة والقاسية، كأن الكاتبة تريد أن تتحسس طعم المرارة تحت أضراسها، كلما أثارتها الذاكرة.
«كانت أمي تحف ضفرا بضفر وهي تنظر إلى التلفاز وتحكي، وكان الصوت الصادر عن الحف مزعجا إلى أقصى الدرجات، مددت يدي وأمسكت بيدها كي تتوقف».
عزة طويل، تمسك بعصا الذاكرة تستهدي بها، كلما همّت بالمسير إلينا، كانت المدينة جزءا من ذاكرتها الطويلة، بكل إشتهاء، ومن دون تحقيق أية شهوة. هذا الفارق بينها وبين روائيينا وأدبائنا، أديب صاعد وأديب نابت، تراها تفعل ماذا؟. تشقق الصخور، لإرسال وريقتها نحو السماء كلمة حرّة في عليائها، للبوح بشيء من عطرها. هذا ما تصرّ دوما على قوله لنا.
«كما تربع العنف على عرش حياتي، بشكل مفاجئ، كذلك خرجت وقتها من بيتي الذي لا صور فيه، إلى بيت أمي المليء بالصور، وحاصرتني صورة أبي مسجى أرضا، وتلك التي وجدتها في درج أمي...».
تتقدم عزة طويل، اليوم بعيون بيروت، وكأنها جزء من عينيها، تقيم المشابهة، وتنهض مثل عاصفة، مثل تنين في بحرها، تريد أن تقول أن عيون بيروت هي عيناها. فهلا رأيتم بين السطور عيون عزة: مجمع بحرين لعيون جيل تفتحت، في ساحاتها. هذه هي عزة: خطابا أنطولوجيا، يبدأ من يديها، ولا ينتهي، إلّا بين يدي المدينة، لأنها آثرت أن تتخذ لنفسها من عرائسها شبك عرسها.
«ضحكنا معا من دون أن أتمكن من رؤية ضحكته كلها بسبب الكمامة على وجهه...
- هل إختلطت بالكثير من الناس في الأيام القليلة الماضية؟».
أستاذ في الجامعة اللبنانية