الانطباع السائد عن الوسط الثقافي ان من فيه يتميّزون بالجدّية والانهماك في ما يهتمون به كلٍّ في ميدانه، لكن هذا ليس شاملاً، فأحياناً تحصل حادثة ما كنتيجة لحوار أو خلاف في الرأي أو حتى في التصرف تنتهي بقفشة تنزع عن أصحابه سمة الجدّية والرصانة والكلمة الموزونة المصفاة لتتحوّل الحالة الى قفشة جميلة فيها الكثير من المرح حتى ولو تنكّهت بنكهة تشير الى انتماء صاحبها الى الوسط الجديّ الرصين.
ولتأكيد ما سبق لا بد من ذكر بعض الأمثلة التي تدلّ أو تؤكد ذلك..
عُرف عن الشاعر والكاتب الراحل جورج جرداق أسلوبه الساخر الذي كان ينشر أسبوعياً في مجلة (الشبكة) وغيرها حتى بات هذا الأسلوب من سمات قلمه على الرغم من شخصيته الجادّة التي باتت واضحة في أسلوبه الشعري عندما غنّت له السيدة أم كلثوم قصيدته (هذه ليلتي) وكانت محطة من المحطات الهامة في حياته وان لم تنزع عنه أو عن قلمه الناثر نكهة السخرية واصطياد (القفشة) وعلى سبيل المثال اختلف الراحل خلال الستينات مع مجموعة من الشعراء كانت تؤلف جماعة شعرية اسمها (أسرة الجبل الملهم)، أما عن أسباب الخلاف فليست مهمة ودارت رحى معركة قلمية على صفحات المطبوعات تابعها الكثيرون في حينه نظراً لطرافتها وغالباً مستواها اللغوي.
استمر الأخذ والردّ لفترة طويلة إلى أن حسمها جرداق في مقالة أنهت هذا الأخذ والردّ ولم يتلقَّ الجرداق ردّاً عليها..
أما لماذا؟..
فلذلك سبب..
السبب هو ما تضمنته مقالته الأخيرة الموجهة للطرف الآخر..
يقول في مقالته: «(أسرة الجبل الملهم) تضم مجموعة منتقاة من شعراء مجلّين لهم بصماتهم الشعرية الهامة ويتميّز شعرهم بما لذّ وطاب من مخزون الشعر واللغة ولهم من المريدين العدد الوافر الذي ينتظر ابداعاتهم بلهفة وشوق.. لكن هذه المجموعة كانت بحاجة الى طبيب فانضم إليها الدكتور علي سعد»..
حتى هنا الكلام جيد لكن الصفعة فيه كانت ان الدكتور علي سعد بالإضافة الى كونه شاعراً مجليّاً.. كان طبيباً بيطرياً.
رحم لله الجرداق والدكتور علي سعد وأعضاء «أسرة الجبل الملهم» وكل مبدعي البلد.. من سبق ومن لحق.