بيروت - لبنان 2022/11/26 م الموافق 1444/05/02 هـ

معرض الفنانة التشكيلية ليلى داغر.. جماليات «الهُروب» إلى الطبيعة الأنثويَّة

د. الأميرة منى رسلان مع الفنانة التشكيلية ليلى داغر
حجم الخط

د. الأميرة منى رسلان*

لم ينشأ الفنُّ بمعزل عن التطوُّرِ الاجتماعيِّ أو التاريخيِّ، أو بمعزلٍ عن التطوُّر في البيئةِ الاجتماعيَّة أو المحيط. وقيل إنَّ عِلم الجمال وعِلم الأخلاق ينطلقان من واقعِ الإنسان، وما تمخَّضت عنه الدِّراساتُ النفسيَّةُ في هذا المضمارِ، من الشعورِ الثوري بضرورةِ أو حتميَّةِ التغيير لدى المُثقَّف (الرسَّام أو النحَّات أو الحِرفي أو الموسيقي أو الناقد الأدبيّ أو الفنِّيّ، أو حتَّى البنَّائيّ...) وأزمتهُ لبلوغِ حدِّ المثاليَّة، (أيَّاً كانت رؤاه ومشاربه الثقافيَّة أو السياسيَّة أو الاجتماعيَّة، أو المذاهب الفلسفيَّةِ أو التوجهات الإيديولوجيَّة أو الأفكار المُعاصرة التي تثاقف معها، وفعاليَّة التأثُر والتأثير؛ أو حتَّى تلك المدارس الفنيَّة - على مرِّ الأزمنةِ والعصورِ - كان له أن اِستقى منها فاعليَّة هُويَّته الشخصيَّة والثقافيَّة)، وبالتالي يعكِسُ عبرَ خاصيَّةِ «الفنّ» الواقع الدنيويِّ المُرتبط به، كأداةٍ فعَّالةٍ لتغييرِ الواقعِ تغييراً تقدُّميَّاً.
وقد التقطت «ليلى داغر»، شُتات «ريشاتها»، متأبطةً تلاوينها لما يُقارب السنة والنصف تحضيراً لمعرضها الفنِّي رسماً ونحتاً: «الهُروب»، والذي يضمُّ خمساً وعشرين لوحة من الحجم الكبير، وست عشرة لوحةً صغيرة، إلى جانب سبعة مجسَّمات صغيرة، نَفَذَت من خلالها ليلى، إلى الرُّوحِ العميقةِ للطبيعةِ الأنثويَّةِ الطَّاغيةِ.
هُهنا يتبدَّى رأيُ الفنانة الرسَّامة «ليلى داغر» في جماليَّاتِ الهُروبِ إلى الطبيعةِ الأنثويَّةِ لتعود إليها، من خلالِ مضمونِ رسالتِها التصويريَّةِ وجوهرِها الفلسفيِّ واللونيِّ والشكليَّ. كما لن يتمكَّن المُتبحِّرُ في صميمِ الخطوطِ في لوحاتِها، من حيث طولها وعرضها، تشابُكها أو تفلُّتِها، أو من خلالِ الخلفيَّاتِ والظِلالِ وامتزاجِ الكيمياءِ اللونيَّةِ بالفيزياءِ والبيولوجيا، في البحثِ عن جوهر القيمةِ الجماليَّة لتشكُّلِ اللوحة، أن يقبَلَ أو حتَّى أن يرفض خطوطَ اللون، أي اللون نفسه، إلَّا بعد احساسِهِ بمكانةِ استخدام اللون الأحمر أو الأصفر مع الأزرق أو البنفسجي أو الأخضر وسواها (على سبيلِ المِثال لا الحصر)، إلاَّ بعد أن يستشعِرَ بأهميةِ المزجِ اللونيِّ وأهميَّة التناسُقِ الحتميِّ، مَع ما تُجسِّدُهُ لوحاتُ ومُجسَّماتُ ليلى داغر التكوينيَّةِ - الأنثويَّةِ مِن هُروبٍ تواصليٍّ - تفاعُليٍّ ما بين الطبيعتين: الذّأتيَّة - الأنثى، وطبيعة المحيط.
وفي هذا المضمار لا يُغفَلُ اطلاقاً، أنَّ فاعليَّةَ اللونِ بمُندرجاتِهِ ومزجِهِ مع الألوانِ الأخرى، ينتزعُ من النَّاسِ قيمتَهُ الجماليَّة، هذا بالإضافةِ إلى قيمهِ الفكريَّةِ والتربويَّةِ والإنسانيَّةِ.
انطلاقاً من خصوصيَّةِ التشكُلات الفنيَّةِ للوحات ليلى، يُماثل اللونُ الأحمر الجميل مثلاً، غروبَ الشمسِ عند المساء، أو وجنتي فتاةٍ غضَّة نضرة؛ أو لرُبَّما قد يتحوَّلُ من خاصِّيتِه العِشقيَّة إلى قتامةٍ دمويَّةٍ مُرهقةٍ للنظرِ والنفسِ البشريَّة على حدٍّ سواء. كما ينزاحُ مفهومُ اللون الأخضر المرتبط ببهاءِ لونٍ عُشبي وأوراقِ النباتِ والأشجارِ، بما ينعكس هدوءً في النَّفسِ ومُتعةً للعين، وجرياناً لتدفُّقٍ عاطفيِّ يتجدَّدُ في يوم ربيعي، إلى بُهتانٍ، أو قلقٍ، فـتيهٍ وضياع...
غير أنَّ «معرض ليلى داغر» «الهُروب» يقوم على الجمعِ ما بين الإشكاليَّاتِ الَّتي تطرحُها عناصر الطبيعة وتقلُّباتها، وفِعل انعكاسها الضوئيِّ اللونيِّ على الحياةِ برُّمتها. فلا يعود الوجودُ مُجرَّد كيانٍ معنويِّ - بعد أن أهملت القِوى المُعاصرةِ لحركةِ التطوُّرِ التكنولوجيِّ خصوصيَّة الرسم اليدوي - بل يصبو إلى أبعادٍ أُخرى.
فمِن خلال المُتعة الجماليَّة لنشاط داغر الفكريِّ والفنِّيِّ - الذَّاتيِّ، عبَّدت السُبل أمام حِسِّها العاطفيِّ ومنظورِها لحيويَّةِ الأُنثى، لبلوغِها تجلٍّ ما.
وعليه، عبَّرت التشكُّلاتُ الأُنثويَّةِ في لوحاتِها عن طموحاتِها وظروفهِا وأفراحِها وأتراحِها وقلقِها وعذاباتِها وأحلامِها وشوقِها وعِشقِها، وسِحرِها بمضمونٍ واعٍ ومنطق ثقافيِّ، على اختلاف كُلٍّ من بيئتيها الزمانيَّةِ والمكانيَّةِ. فالفنُّ لدى ليلى يهتمُّ بالواقعِ المحسوس، غير أنَّه في توقٍ دائم لتسامٍ فوق المأساوي والساخر، والساحر والمٌفتن والمُفرِح، فيُصبحُ إدراكًها إدراكاً جماليَّاً وضرورةً حتميَّة لخلقِ سيرورةٍ مُثمرةٍ لواقعٍ أُنثويِّ مُنفتحٍ في بعضٍ من جوانبِهِ، كان في الماضي القريب مُنغلقاً على حالهِ، ومُتقوقعاً غير مُدركٍ لمشاعرِهِ وأحاسيسِهِ ونوافذهِ الفكريَّةِ وتطلُّعاتِهِ المُستقبليَّةِ.
فالرؤى الفنُّيَّة التَّي تأخُذ بها ليلى لم تكن يوماً مُنغلِقةً أو نفعيَّةً؛ ولم تكن، فيما هو عيشُ تجرُبة رائدة، سوى تلك الصور الذاتيَّة المُطابقةِ لحقيقةِ الأشياءِ الموضوعيَّةِ لديها، ومرآة لمواجهةِ الذاتيِّ فيها وفينا.
بناءً عليه، تكمنُ المسألة هُنا في مستوياتِ التعبيرِ عن هذه الأحاسيسِ الدفينةِ، الجيَّاشةِ، أو تلك الراكدةِ في عميقِ الشعورِ لدى «أنثويَّة» ليلى.
عبَّرت ليلى داغر في معرضها «الهروب»، عن ثمارِ امتزاجِ رُوحِها الفنيَّةِ وأرقها الذَّاتيِّ والإنسانيِّ عبر فنِّ استنطاقِ اللوحة التعبيريَّةِ، للعبورِ من خلالها إلى عالمِ التحضُّرِ والقوَّةِ الجبَّارةِ المُحطِّمةِ لصنميَّة صورة المرأة المؤطرة ثقافيَّاً ومُجتمعيَّاً ودينيَّاً، عاكسةً انتفاضة «رقيقة» في عالمٍ يُؤمِنُ بفعاليَّةِ الحضورِ الأُنثويِّ فيهِ، وآخر يستميتُ لتشييء وتسليعِ «المرأة»؛ مُدركةً ضمنياً أنَّها ستعبُر من خلالِ «الهُروب» إلى معرفةِ الطبيعةِ البشريَّةِ التوَّاقةِ إلى الحقِّ والحُريَّةِ، والتجديد في تفعيلِ قوانينِ الإنسانيَّةِ الحيويَّةِ، على عمليَّةِ تحقيقِ المُثُل العُليا والأفكارِ والمُنطلقاتِ للوجودِ الكونيِّ، وضرورةِ المُحافظةِ على قيمِ الأُسسِ الأخلاقيَّةِ والجماليَّةِ للإنسانيَّةِ.
فلمحاتُ «الهُروب» المُمسكة بتفاصيلِ التعابيرِ الأنثويَّة في لوحاتِ ليلى داغر، لا تُظهرُ التناقضَ بين الطبيعةِ الخاصةِ للأُنثى البارزة في التشكُّلِ العميقِ للمُجسَّماتِ والرسوماتِ فقط، لا بل تُظهرُ الاتفاقَ الشكليّ - الظاهريِّ والمضمونيِّ -العميق، والفِعل التأثُري والتأثيري ما بين الطبيعةِ والكائنات وعِلمِ النباتِ، وخصوصيَّةِ المثاليَّةِ الشخصيَّةِ لكلِّ إمرأةٍ جسَّدتها داغر في لوحاتِهَا، على الرُّغمِ من التناقضاتِ الحياتيَّةِ والعمليَّةِ الَّتي تختبرُها كلُّ أنثى في «الحياةِ - اللوحة».
وعليه، يظهرُ الانسجامُ الجماليّ، انطلاقاً من المبدأ الأخلاقيِّ الَّذي انطلقت مِنهُ «أُنثويَّةُ» ليلى، في معرضها «الهُروب»، في ميلِها إلى ترسيخِ الثقافةِ الجماليَّةِ الَّتي تفتحُ بدورِها نافذةً على الحياةِ الدَّاخليَّةِ للتجرُبةِ الإنسانيَّةِ، من دون الغوصِ في غموضِ العناصرِ الميتافيزيقيَّةِ والعناصرِ الدينيَّة لعمليةِ الخلق...
فلا طوباويَّة في صورِهَا وتلاوينها، إذ تنتفضُ المرأةُ في «الهُروب» بلُطفٍ وحِكمةٍ على واقِعها، وتُمارسُ حقَّها في العيشِ. فـكُلُّ أنثويَّات ليلى تتفرَّد بخصوصيَّتها، مُجسِّدة بذا الاعترافَ الضُمنيّ بالتشابكِ الحاصلِ ما بين الأحاسيسِ الشخصيَّةِ للنسوةِ في لوحاتِها، واعترافِها بالتلاصُقِ الفريدِ والطبيعةِ المُخضوضرةِ بألوانِها والمُعشوشبةِ بخطوطِها.
ليلى داغر، طوَّعت البربريَّة في الطبيعةِ والوحشيَّة فيها، والعُزلة المُجتمعيَّة، من خلال تطويرِ مفاهيم «الوجودِ الفاعلِ الأنثويِّ»، إلى بهجةٍ لونيَّةٍ أخَّاذة، تستطيعُ أن تستقي مِنها عصرَ تنويرٍ لونيّ، يُظهِرُ سيطرة «الحقيقة» على القِوى الطبيعيَّةِ والاجتماعيَّةِ.
انمازت داغر في تحويلِ ظواهِرِ الطبيعةِ بطريقةٍ فنِّيَّةٍ، ومن خلال خيالاتِها عبر «الهُروب»، كي تستطيع أن تتحسَّس كيفيَّة استخراج مُحتوى الشيء وجوهرَ التطوُّر، والتلاميح الأنثويَّة - بهدوئِها وصَخبِها وسكينتها وضُمورِها - من أبصارِنا وأسماعِنَا، والانغماس في خبايا أعماقِنَا ومضمونِ جوهرِنا الكُّلِّي.
فـ «الهُروبُ» لدى ليلى داغر، على اختلافِ موضوعاتِهِ إجتماعيَّاً وثقافيَّاً وإيديولوجيَّاً، فتحَ أفقاً واسِعَ المدارِك، أمام كُلِّ إمرأة حالمةٍ أو مُشاكسةٍ ذاتُ نبضٍ مُغايرٍ عن السائدِ والمأمول منها مُجتمعيَّاً، أو حتَّى أمام تلك المرأة الهائِمة، أو المُتشظيةِ أو اللاهيةِ، أو تلك الباحثة - المُفكِّرة، كي تكتسبَ قلباً توَّاقاً إلى التغيير. إذ يُلمِّح «الهُروب» إلى بعض العاداتِ والتقاليدِ والمُعتقداتِ الاجتماعيَّةِ وسواها الكثير، ممَّا قد تتعالق مع مجتمعاتِ إنسانيَّةِ أخرى، غير أنَّه يشي بجماليَّةٍ فنيَّةٍ ضمن ما يُعرف بعِلم الفنِّ والرَّسمِ والنحت، الفنون التشكيليَّةِ وتلك الفنون التطبيقيَّة.
بيد أنَّ المُتمعِّن في الأبعادِ الفنِّيَّةِ للوحات ليلى داغر ومُجسَّماتها، يُلاحظ أيضاً، في ما يُلاحظه، الاجماعَ على أنَّ فنَّي الهارموني والتصاوير اللونيَّة في «هروبها الأنثوي»، لا يتعارضان مع نفسيَّةِ الرسَّامةِ، بعدما أُتِيحَ لها عبر المُحاكاة، سبرَ مشهدياتِ أحاسيسِ شخصياتها «الأنثوية» بطابعٍ حِسِّيّ - بصريِّ، وتعمُّقها في الأبعادِ التكوينيَّةِ لجماليَّاتِ ملامحها المُزدانةِ بريحانةِ خياليَّةِ الوجود.
* أستاذة النقد الأدبي المعاصر والمنهجية في الجامعة اللبنانيَّة - كليَّة الآداب - الفرع الأوَّل


أخبار ذات صلة

هل يشعر نيمار بالندم لولادته في البرازيل؟
المنخفض الجوي ينكفئ اليوم... إليكم التفاصيل
قصف متبادل بين القوات الأوكرانية والقوات الموالية لروسيا في دونيتسك [...]