عقب أزمة قلبية مفاجئة، غيّب الموت الدكتور سهيل منيمنة، «حارس الذاكرة البيروتية»، تاركاً فراغاً موحشاً في قلب العاصمة التي نذر حياته لحماية هويتها، وتوثيق حكاياتها، والدفاع عن أصالتها.
عاشقٌ من قلب المدينة، لم يكن الدكتور سهيل مجرد صيدلي يمارس مهنته، بل تحوّل بشغفه إلى مؤرّخ ميداني وحارسٍ أمين لتراث المدينة. لم ينظر إلى بيروت كشوارع وأبنية صامتة، بل رآها «نصاً حيّاً» وقصة مستمرة تستحق أن تُروى بدقّة وإنصاف. اهتمّ بتاريخ مدينته، باحثاً في زواريبها، موثّقاً لخاناتها التاريخية، ووجوه ناسها، مصغياً لأصوات مآذنها وأجراس كنائسها، ومؤمناً بأن هوية المدينة تكمن في روح أهلها وذاكرتهم الجماعية. لم يكتفِ برصد الحجر، بل غاص في تفاصيل العادات والتقاليد، فكان توثيقه إنسانياً بقدر ما هو تاريخي.
آمن الراحل بأن الحفاظ على التراث «مهمة مقدّسة» في وجه الخراب والنسيان، فأسّس جمعية «تراث بيروت» (تراثنا بيروت)، محوّلاً إياها إلى «محراب» للوفاء يجمع شتات الحكايات المنسية. من خلال أبحاثه الدؤوبة، ومحاضراته، ونشاطه اليومي، عمل على توعية الأجيال الجديدة وربط المغتربين بجذورهم، مضيئاً على تراث بيروت المعماري والثقافي كشاهد حيّ على الصمود والإبداع.
تفقدُ بيروت برحيل الدكتور منيمنة بوصلةً كانت تشير دوماً نحو أصالتها، وتخسر قامةً وقفت على ثغور ذاكرتها في زمنٍ كاد النسيان أن يلتهم كل جميل. ورغم غياب الجسد، فإن إرثه سيبقى حيّاً في المشاريع التي أطلقها، وفي الذاكرة الجماعية التي صانها بكل عزم. لقد ترك خلفه كتاباً مفتوحاً يعلّم الأجيال القادمة كيف يكون العشق للمدن، وكيف يكون الوفاء للأوطان.
نزل عليّ خبر غيابه كالصاعقة، فقد كنا على تواصل شبه يومي، ولن أنسى أبداً ذلك اليوم الذي قلّدني فيه شعار «تراث بيروت»، وأكرمني بقوله إنني من أجدر البيارتة بهذا التكريم وأكثرهم استحقاقاً.
رحم الله الدكتور سهيل منيمنة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدّمه لبيروت شاهداً له. سيبقى صوته يتردد في أزقة المدينة، وستظل بيروت تذكره كلما فاح عطر ياسمينها أو هبّ نسيم بحرها الذي أحب.