بيروت - لبنان 2022/11/30 م الموافق 1444/05/06 هـ

أرل بلا جدران!

حجم الخط

قيل العالم قرية صغيرة أو هكذا صار. وأنا أصدّق ما يُقال أحياناً. خبرت ذلك بنفسي. في أرل، في جنوب فرنسا، في المعهد الدولي للمترجمين، في غرفتي التي حملت الرقم ٤، والمطلة كانت على حديقة ألهمت فان غوغ في بعض رسوماته، رأيت عالماً بلا جدران وبلا حواجز ترصد الهويّات أو تميّز بين الأجناس المختلفة. كان مدير  المعهد في الأيام الأولى لإقامتي المؤقتة هناك مُنهمكاً في أشغال عضليّة تخصّ منزله. هدْمُ الجدران بين الغرف الداخلية كان الأقسى جهداً والأقصى غاية. قلت له: هي ذي مهمّة المترجم: هدْمُ الجدران! كان الصرح الأثري الذي يعود إلى القرن السادس عشر فسحةً أدبيةً بوجه ذي ملامح هادئة وبقلب كبير يضجّ بالمترجمين من كل أنحاء المعمورة. بدا لي العالم أصغر من قرية بعْد: مجموعةً من الغرف الصغيرة التي تفي بنزلاء الكلمة وأخواتها، ولا تودي إلا إلى ما هو مُشترك بينهم. التبادل في كل شيء يكاد يولد من لا شيء. فالتنوّع أو الشعور بقبول الآخر يغمر الجميع. الآخر هو النّعيم. فلا مكان لجحيم سارتر هنا أو لغثيانه. وجوديّة آرل هي انكشاف لفقر الذات عندما تأكل لوحدها، وتشرب لوحدها، ولا تفكر سوى أفكارها، ولا تتكلّم غير لسانها. الجميع يأتون من بعيد جداً إلى أقرب نقطة مُمكنة للتعارف الثقافي الحقيقي. الفوارق في أدنى درجات فورانها. بل تكاد تتجمّدُ في النظرات المتبادلة وهي على أعتاب خيانة واحدة. الخيانةُ الأكثر وفاءً! في الطابق السفلي مكتبةٌ متوسطة الحجم لا تعرف للوقت وقتاً. الإدارة بكامل فريقها الأنثويّ كأنّها لوحة ابتسامات مشرقة الألوان. فالضيافة كالتّرجمة؛ عنوانٌ لفرح واحد. المبنى الذي أصبح مشفىً للمعنى؛ يمنحُه القُربى، بعدما كان للأبدان؛ يمنحُها الصحة، يروّض ضيوفُه دروباً من المستحيلات. فأن تترجم يعني أن تقول المستحيل. أن تجعل له مرآةً بينه وبين نفسه. فمن ينظر إلى نفسه يخسر مستحيله. أرل مدينة بلا جدران.. يسكنُ فيها المستحيل الأكثر احتمالاً!



أخبار ذات صلة

ماذا جرى في شوارع طهران عقب خسارة إيران من الأميركيين؟
"العوني" يتجه للتصعيد إذا دعي مجلس الوزراء للانعقاد
بري يدعو الى جلسة الاربعاء لدرس اقتراح وادعاء الاتهام في [...]