بيروت - لبنان 2022/10/05 م الموافق 1444/03/09 هـ

إنّه أبو سليم!

حجم الخط

«السلام عليكم» رميت التحية على الرجل الكبير في السّن والمقام، فردّ عليها بنبرة واضحة وحنونة تكسوها بحّة خفيفة. إنه أبو سليم «الطبل» الغني عن التعريف أو صلاح تيزاني الاسم الحقيقيّ الأقل شهرة. كان يبدو حتى في قعوده شامخاً. قامة طويلة عتّقها العمر، وجه كوجه البحّار، وانحناءة مقبولة للظهر في زمن أرخى كل سواده فوق كاهل الناس. في مقهى قبالة البحر كان يجلس إلى رفيق من رفاق دربه الطويل. فالبحر يعرف حكاياتنا وأسرارنا كما يعرف ملحه. وللبحر وحده نُهدي صمتنا. على الطاولة الصغيرة أمامه كوب من الشاي المصنوع من ورق الكرتون من الحجم المتوسّط. وأمام صاحبه كوب مثله من القهوة يجاري السيجارة التي نادراً ما كانت تتوقف في شبه المسافة بين إصبعيه. ومثلها كان الحديث عن الماضي يحترق بين شفتين ملتهبتين تبحثان عن شيء يُفرج الأسارير، ودخانه الأبيض يصلني حارا قبل أن يتغلغل فيّ كعاصفة من برْد وسكون. أسماء عديدة تمرّ على مسامعي كأنها قطار ذاكرة قديم يشحن طفولتي من ماض سحيق، ويرسل صافراته المُحبّبة في كل أرجاء كياني. انقباض وبسط على المُحيّا، عيون صغيرة تدور حول أفلاك بعيدة، وابتسامات أبوية توزّع بياض القلب على الجميع. ماذا يبقى لنا من المستقبل حين نطحنُ عظام حاضرنا؟ ماذا سيبقى منّا لأجيال شوّهنا نهارها وألقينا في فمها الحصى؟ أبو سليم أضحكنا يوم كانت المدافع تُحصينا بالدم والدموع. فرقتُه التمثيلية كانت كتيبة مقاومة. فالصمود أهمّ من الانتصار. قد ننتصر على عدو غاشم لكننا لا نصمد أمام النصر. أبو سليم وأمثاله من الفنانين اللبنانيين الكبار انتصروا لنا في زمن الهزيمة والضياع، ثم هزمناهم بمحض أيدينا في زمن انتصارنا المكلوم. ومع ذلك بقي صامداً. وبقي فنّه قائماً في وجدان الوطن وعلى صفحاته الناصعة. فالصمود الحقيقي لا يتطلّب قوّة جبّارة. ولا هو يتغذّى من الانتصارات فحسب. الصمود الشّجاع يحتاج إلى التنازل أحياناً وإلى انكسار هنا وهناك يُحطّم وثن الغرور فينا. فالقوة لا تصنع الحقيقة ولو بلغ عنانها السماء. أعجبني أنّ أبو سليم ضيف دائما أينما حلّ. عليّ النادل اللطيف في المقهى يُقدم له طلباته بالمجّان كما أوصاه معلّموه. وكذلك تفعل مقاهٍ أخرى بحسب ما قال لي. وهذا أيضًا ضرب من الصمود في رحاب القلوب العامرة بالوطن. فهل الوطن شيء غير الذاكرة بأشخاصها وأشيائها؟ أنهى أبو سليم شرابه الساخن. واستعدّ للمغادرة كما عادته في كل خميس. ولكن قبل ذلك لا ينسى أن يدخل المحلّ ليشكر عليّ أو يُهديه موّالاً بصوته الجميل.


أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 5 10 2022
لا لتهريب اتفاق الترسيم البحري جنوباً
المودع علي الساحلي لدى دخوله إلى المصرف في شتورة قبل توقيفه
أزمة التشكيل تعود إلى النفق بعد شهية التبديل!