بيروت - لبنان

اخر الأخبار

حكايا الناس

28 شباط 2026 12:00ص الكرامة لا تباع بالكيلو!

حجم الخط
في أحد أحياء بيروت القديمة، كانت رائحة رمضان تسبق الهلال بأيام،الفوانيس المعلّقة على الشرفات بدت باهتة هذا العام، وكأنها تعرف أن موائد كثيرة ستبقى ناقصة، قبل أسابيع من حلول الشهر الكريم، تسللت زيادة غير مبررة على  أسعار اللحوم، تزامنت مع ضريبة مفاجئة على البنزين.
في دكانه الصغير، وقف أبو سليم يحدّق في لائحة الأسعار كما لو كانت نعيًا معلّقًا على الجدار. قال لزبائنه: «كيلو اللحم صار حلمًا، ليس وجبة»، أم خالد، التي اعتادت أن تشتري ما يكفي لعزومة إفطار كل جمعة، اكتفت هذا العام بنصف الكمية، تمتمت بحسرة: «كيف بدنا نفرح برمضان إذا السفرة نفسها صارت دينًا؟»
في نشرات الأخبار، انشغل المحللون بارتفاع البنزين: أرقامه، أسبابه، وانعكاساته على النقل والكهرباء، صار الحديث عن الضريبة الجديدة يملأ الشاشات، حتى بدا كأن زيادة اللحوم مجرد تفصيل عابر، الناس ركضت خلف أزمة الوقود، فيما كانت لقمة الفقراء تُسحب بهدوء من أطباقهم.
المفارقة أن الزيادة جاءت في زمن الصوم لدى الطوائف المسيحية، حيث يقلّ استهلاك اللحوم بطبيعته. تساءل كثيرون: إذا كان الطلب منخفضًا، فما المبرر؟ لكن السؤال ضاع وسط ضجيج المحطات والصفوف أمام المضخات.
في المساء، اجتمع الجيران على درج البناية، قال أبو جورج: «لم تعد المشكلة في الغلاء وحده، بل في الشعور بأننا متروكون. ردّت أم خالد: بل متروكون ومتواطَأ علينا.» صمتوا لحظة، وكأنهم يخشون أن يسمعهم أحد.
كان الناس يدركون أن الحكومة التي تبدو عاجزة أمام العدو عسكريًا، ليست عاجزة حين يتعلق الأمر بفرض الضرائب، هناك، تتحرك بسرعة وحزم، أما أمام معاناة المواطن، فتختبئ خلف بيانات باردة.
دخل شهر رمضان، ولم ترتفع الفوانيس أكثر. لكن في العيون بقي بصيص عناد: قد تُنتزع من الموائد أصناف كثيرة، غير أن الكرامة، كما قال أبو سليم، «لا تُباع بالكيلو».
أخبار ذات صلة