بيروت - لبنان

اخر الأخبار

حكايا الناس

13 آذار 2026 12:00ص حرب مفتوحة على أرض لبنان

حجم الخط
سحر ضو

أيُّ مصيرٍ كُتب للبنانيين اليوم؟ وأيُّ دولةٍ هذه التي تقف على هامش المشهد، فيما شعبها عالق بين نار الحرب وضياع القرار؟
منذ أشهر، ولبنان يعيش على إيقاع حربٍ تتجاوز حدوده. حربٌ تتداخل فيها حسابات إقليمية كبرى، حيث يواصل حزب الله انخراطه في المواجهة دعماً لمحور تقوده إيران في صراع مفتوح مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فيما تقف الدولة اللبنانية في موقعٍ رمادي، عاجزة عن الحسم، ومكتفية بإصدار بيانات لا تغيّر شيئاً في ميزان الوقائع.
الأرقام على الأرض تروي القصة الأكثر قسوة.
فالمواجهة التي اتّسعت رقعتها دفعت عشرات الآلاف من اللبنانيين إلى النزوح، ليس فقط من قرى الجنوب والبلدات الحدودية التي تحوّلت إلى خطوط تماس، بل أيضاً من الضاحية الجنوبية لبيروت بعد توسّع الضربات والاستهدافات. عائلات بأكملها تركت منازلها على عجل، وانتقلت إلى مدارس أو إلى بيوت مستأجرة بأسعار خيالية، فيما افترش آخرون الطرقات أو لجأوا إلى أقارب في مناطق أكثر أمناً.
في المقابل، ارتفع عدد الضحايا بين قتلى وجرحى إلى مئات اللبنانيين منذ اتساع المواجهة، وسط دمار واسع طال قرى بكاملها ومناطق سكنية مكتظة، إضافة إلى أضرار جسيمة في البنى التحتية. الجنوب والضاحية معاً يدفعان كلفة حرب تتجاوز حدودهما، فيما لبنان كله يعيش تداعياتها الاقتصادية والإنسانية.  
لكن المأساة اللبنانية لا تختصر بالحرب وحدها، بل أيضاً بغياب القرار.
فالدولة التي أعلنت أخيراً وقف الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب، تعلم جيداً أن المشكلة لم تكن يوماً في بيانٍ أو قرارٍ إداري. فالحزب نفسه جزء من النظام السياسي، ممثَّل في البرلمان بكتلة نيابية منتخبة، وموجود في الحياة السياسية منذ عقود. وبالتالي فإن أي محاولة لمعالجة هذا الواقع عبر بيانات رسمية فقط تبدو أقرب إلى إدارة أزمة لا إلى حلّها.
المفارقة أن السلطة السياسية نفسها هي التي سمحت بتكريس هذا الواقع. لسنوات طويلة تُرك السلاح خارج مؤسسات الدولة، إما بصمتٍ رسمي، أو بمساومات سياسية متعاقبة، حتى تحوّل إلى أمر واقع. واليوم، حين انفجرت المواجهة على الحدود، اكتشفت الدولة فجأة أنها لا تمسك بقرار الحرب والسلم. في موازاة ذلك، يواصل اللبنانيون طرح السؤال الذي لم يُجب عليه أحد بوضوح: إذا كانت إسرائيل ما تزال تُصنَّف رسمياً كعدو للبنان، وإذا كانت أراضٍ لبنانية لا تزال موضع نزاع، فكيف يُطلب من الناس القبول بمعادلة تمنع المواجهة من دون أن تقدّم الدولة بديلاً سيادياً واضحاً؟
أما إذا كانت الدولة تريد مساراً مختلفاً يقوم على تجنيب لبنان الحروب، فذلك أيضاً يحتاج إلى قرار سياسي صريح وشامل، لا إلى ترك البلاد في منطقة رمادية.
وفي خضم هذا المشهد، تبرز تفاصيل تعكس حجم التناقض داخل الدولة نفسها. فقد أفرجت المحكمة العسكرية اللبنانية عن ثلاثة عناصر من الحزب كانوا موقوفين، لقاء كفالة مالية بلغت نحو 20 دولاراً لكل منهم، في خطوة أثارت كثيراً من الجدل في الشارع اللبناني، حيث رأى فيها البعض دليلاً إضافياً على ارتباك المؤسسات في التعامل مع ملف شديد الحساسية.
الحقيقة المؤلمة أن الأزمة اللبنانية لم تبدأ مع هذه الحرب، ولن تنتهي معها. فقرار الحرب والسلم في لبنان لم يُخطف فجأة، بل تُرك فارغاً لسنوات طويلة. وفي هذا الفراغ، نشأت معادلات موازية، وتقدّمت قوى الأمر الواقع لملء المساحة التي تراجعت عنها الدولة.
اليوم، يدفع اللبنانيون الثمن مرّة جديدة:
قرى تُدمَّر، الضاحية تُستهدف، عائلات تُهجَّر، واقتصاد ينهار أكثر فأكثر.
أما السؤال الأكبر، فلا يزال معلقاً:
هل تملك الدولة اللبنانية الشجاعة لاستعادة قرارها السيادي فعلاً، أم سيبقى لبنان ساحةً مفتوحة لصراعات الآخرين؟
فحين تغيب الدولة...
لا يعود الوطن دولة، بل يتحوّل إلى ساحة.
ويصبح الشعب، في النهاية، هو من يدفع الثمن.
أخبار ذات صلة