بيروت - لبنان

اخر الأخبار

حكايا الناس

6 كانون الأول 2024 12:00ص هوذا الحمار!

حجم الخط
من أكثر الحيوانات التي أحبُها: الحمار. أذكر أنني في طفولتي ركبت في تركيا فوق ظهر حمار صعودا في طريق وعرة. كنت خائفا قليلا لكنه مشى بي بفم ساكت وعزيمة. رحت أفكر في هذه القوة التي جبلها لله باللطافة، وساءني أن أرخي عليه ثقلي البشري حتى لو كان آنذاك خفيفا. كان يسير ورأسه مطرقا إلى الأرض فيما ذيله يتحرك باستمرار يمنة ويسارا من خلفي ويكاد يلمسني. نزلت من عليه وبقيت عيوني مسمّرة على وجهه لعلي ألتقط منه آثار رحلتي القصيرة. هل أنهكته؟ هل سببت له ألما شديدا؟ أم هل أزعجته فكرة أن يمتطيه غريب لمجرد أن يشعر بأنه فوق الأرض؟ 
لم ألتقِ بحمير كثر في حياتي. ومع ذلك احتفظت بشوق كبير لهذا النوع الذي أصبح اسمه للأسف مرادفا لكثير من الصّفات السلبية. بيد أن الحقيقة هي دائما بمنأى عن كلام الناس. فالحمار من أذكى الحيوانات. يكفي أن يسلك طريقا لمرة واحدة حتى يحفظها طوال حياته. كما أنه إذا وقع في خطإ ما يتعلّم منه ولا يكرره أبدا. وإذا عُرف عنه أنه عنيد، فذلك لأنّه شديد الحذر إزاء الخطر أو ما قد يلحق به من أذى. فالحمير لا يرمون بأنفسهم إلى التهلكة على عكس البشر، بل هم «أصحاب تقدير جيد».ناهيك طبعا عن التحمّل والجلد والمثابرة إضافة إلى القوة والاجتهاد وقلة التذمّر. 
فلك أن تتأمل في إنسان يمتلك جميع تلك الصفات أو المزايا؟ ما عساك تقول عنه؟  
صورة الحمار تراود مستقبلي القريب، فلا أراني بعد تحرّري المنشود من أوهام الباطون وإغراء الزجاج، إلا في مكان جبليّ مرتفع يضبط إيقاع أنفاسي المتبقية، في دار أضيق من الدنيا، وبرفقة حمار ودود يحمل أسفاري إلى حتفها الأخير.
أخبار ذات صلة