بيروت - لبنان 2022/07/07 م الموافق 1443/12/07 هـ

أزمة منتصف العمر...

حجم الخط

استيقظت باكراً منذ يومين بمزاج سيىء وفي صدري ضيق وحزن يأكلني.. توجهت الى الحمام لأغسل وجهي.. توقفت لدقائق متأملةً وجهي في المرآة وكأني أخاطب نفسي واتودد لها فأنا بالكاد اراها واتصافح معها.. لاحظت وللمرة الأولى التجاعيد حول عيني، وعلى جبيني خطوط رسمها الزمن والتعب والعمر.. ارتعبت!!
خانتني دمعتي رغما عني بفضولها.. حاولت مسحها بيدي لاحظت حينها أن يداي أيضا تغيرت وكأنها تقول لي حذاري لقد دق ناقوس الخطر ..
لم أعد اعلم ان كان ما أشعر به هو افكار وهمية ام انعكاس داخلي ام انها الحقيقة التي لم الحظها أو أواجهها الى اليوم..
تذكرت اني على أبواب الأربعين ربيعاً.. انا في المنتصف..
للحظات لمت امي! لماذا لم تهيئني نفسيا لهذا اليوم؟؟ لم تعلمني كيفية تقبل فكرة العمر وسرعة مرور الزمن.. وبأني سأكبر يوما وأشيخ وتتغير ملامحي و لن ابقى كما انا!!! 
انه العمر والوقت يا سادة.. فهل هو عدو للإنسان؟ هل فكرتم يوماً كيف يستطيع المرء أن يتخطى فكرة الشباب؟ أين ذهب الوقت؟ كيف مر العمر؟ 
أمي.. أنا لا اريد ان اكبر.. اريد ان ابقى كما انا...
وعندها فقط تذكرت أن امي هي أيضا كانت شابة وفجأة كبرت مثلي وتجاعيدها أصبحت واضحة، كيف استطاعت تخطي هذا الخوف وهذه الهواجس؟؟ هل هي خائفة؟ الا تشتاق لصورتها القديمة؟ ولكنها لم تشتكي يوما أمامي.. لماذا؟ 
فكرة وجود التجاعيد مرعبة وتذكرنا بالشيخوخة والعمر والموت...قلت في نفسي لن استسلم لكل هذا.. وفكرت ماذا أفعل؟ في اليوم التالي ذهبت مباشرة الى عيادة الطبيب لاحقن وجهي بمواد كيميائية لاني لست مهيئة نفسياً لمواجهة الوقت والعمر ومواجهة نفسي بالحقيقة...وبالفعل تغيرت ملامحي واختفت التجاعيد.. ولكن لم يستطع الطبيب إعادة اللمعة الى عيني وإخفاء الحزن الواضح فيهما… واكتشفت أن هناك أشياء لا نستطيع اخفاءها رغم جميع محاولاتنا كالحقيقة..
فالخارج هو مرآة الداخل و الهروب من الحقيقة مستحيل.. الحزن والوجع النفسي هم بالحقيقة أعداء الانسان ويجب أن لا يستسلم لهم...
تحايلت على نفسي و اخذت صورة ذاتية «سلفي» من تطبيق (application ) على هاتفي لكي أظهر بالصورة التي رسمتها في خيالي و بالفعل نجحت ولكن بقي السؤال يراودني الى متى؟ لم أعد اريد ان انظر إلى مرآتي لاني لا اريد ان أواجه الواقع... انا جبانة.. أفضل ان اعيش في الأفكار والخيال الذي رسمته في عقلي..
ولكن فعلا هل فكرتم يوما ان تلك التطبيقات الهاتفية مدمرة ومضرة جدا وتؤثر سلباً في عقول أطفالنا... فهي لا تساعدهم لتخطي الحقائق وحب النفس وتقبلها باختلافها.. انها وبشكل غير مباشر تدمر ثقتهم بأنفسهم.. علينا ان نحضر أولادنا نفسيا ان يوما ما سيكبرون ويتغيرون وان الشيخوخة والعمر حق، وأن الجمال الأبدي هو جمال الروح اما الخارج لن يدوم...
بوضوح شديد ما يدور في داخلك ينعكس على خارجك والعكس صحيح.. الثقة بالنفس وبالله وبالقضاء والقدر هي الأساس..
تصالح مع نفسك وذاتك وركز على داخلك وعمرك وأفكارك وأحلامك واترك بصمة ايجابية في هذه الحياة… 
الانسان يمر في حياته الدنيا باطوار مختلفة من اطوار الخلق.. يكبر و يمضي فيه الزمن الى الطور الأخير ألا وهو:
الشيخوخة.. انها دورة الحياة و هذا يذكرنا بقول الله عز وجل في سورة الروم: « الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعض ضعف قوة ثم جعل بعد قوة ضعفا وشيبة، يخلق ما يشاء وهو العليم القدير»النبي محمد (ص) كان يدعي ربه فيقول «اللهم اني اعوذ بك من الجبن وأعوذ بك من ان ارد الى ارذل العمر واعوذ بك من فتنة الدنيا واعوذ بك من عذاب القبر».. 
مما لا شك فيه أنه من أمنيات الإنسان ان يحيا في شباب دائم بلا شيخوخة وهو أمر مستحيل الوقوع، لأن ذلك لو تحقق وقف الزمن ودورة الزمان لا تتوقف ابدا في الحياة الدنيا و انما في الحياة الاخرة.. و اذا عاش الانسان حياته ولم يدرك هرمية العمر فهذا يدل على أنه يعيش في اللا زمن واللا وجود.. 
و من هنا نسمع في أساطير الأولين عن رحلة البحث عن سر الخلود واكسير الشباب الدائم.
انتبهوا  لاولادكم من هذا العالم الافتراضي وممن اطلق عليهم لقب المؤثرين الإفتراضيين او بالمعنى المتعارف عليه اليوم ال «influencer « ..  لنراقب هواتفهم وألعابهم الذكية الموجودة في تطبيقات على الأجهزة الإلكترونية الحديثة ولنحمهم بمعرفة من يتابعون ومن يصادقون فالعالم الذي تنهار فيه كل يوم منظومة القيم الإجتماعية يكون مليئاً بالتنمر والمتنمرين  وباولاد غير متصالحين مع أنفسهم وبمؤثرين سيئين وبأفكار سلبية وبتطبيقات مضرة .
للأسف لم تعد للبيوت أسرار ومعايير الأخلاق قد تغيرت والخصوصية شبه انعدمت والناس اصبحت تقارن حياتها بحياة الآخرين وما يوثقوه عبر صفحاتهم على وسائل التواصل الإجتماعي  من دون الإدراك ان كل ما يرونه في هذا العالم قسم كبير منه افتراضياً وليس حقيقياً، وكل هذا يؤدي في النهاية إلى يأس صامت « Silent depression «وعدم تصالح مع الذات وأحيانا الى الانتحار.
انت جميلة كما خلقك الله سيدتي ولا اعتراض على ما قدره وكتبه.أؤمن ان التواصل مع النفس ومع الأولاد مهم جدا واقترابهم من الدين أياً يكن الدين الذي يؤمنون به يساعدهم على تخطي هذه المراحل والتعلق بالدنيا وزهدها وتقبل فكرة العمر والمتغيرات الطبيعية وكل ما سيواجهونه في حياتهم من صعاب في هذه الدنيا الفانية بالإضافة الى تقدير النعم ومعرفة اصول الرضا... بالمختصر: الفرح لحظة والرضا حياة..


أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 7 7 2022
قراءة في مآلاتِ حرب أوكرانيا
معمل الزهراني.. من يسعى لإطفاء توليده للكهرباء؟
الحكومة عالقة.. والعهد يستثمر بالترسيم البحري