بيروت - لبنان

اخر الأخبار

24 آب 2022 12:00ص الهنود الحمر بين أمجاد الماضي وأحلام المستقبل!

حجم الخط
في ذاكرة بعض الهنود الحمر روايات وأقاصيص تحكي عن ملحمة وصول هذه الشعوب الى اميركا. فمنذ 45 ألف عام انطلقت من آسيا الشمالية مجموعات من الصيادين وعائلاتهم نحو مشرق الشمس الذي كان متجمّداً في تلك الحقبة الزمنية. استمرت الهجرة 25 ألف عام توزعوا خلالها في كل أنحاء القارة الأميركية. 
مرّت مئات الأعوام التي كان خلالها هجرة للأسيويين إلى الأرض الجديدة، حتى كان زمن ذوبان الجليد الذي كان يغطي مضيق بهرنغ، ليحل 56 كيلومتراً من المياه شكلت الفاصل بين قارّتي آسيا وأميركا.. وزمن توقف الهجرة. 
وحين توصلت البشرية الى تحديد طريقة وصول الهنود الحمر الى القارة الأميركية، زالت تلقائياً أسطورة «العرق الأحمر» التي أطلقها الأوروبيون الأوائل لدى اكتشافهم القارة الجديدة والقوم الذين يأهلونها. فالهنود الحمر ليسوا سوى أشقاء لشعوب آسيا من العرق الأصفر، وثمة تفسير منطقي لارتفاع عدد هنود أميركا الجنوبية بالنسبة الى عددهم في الجزء الشمالي في القارة. أي ما يُعرف حالياً بالولايات المتحدة وكندا. هذا التفسير يقول إن الموجات الأولى من المهاجرين تابعت طريقها بعدما دخلت الى القارة الأميركية من أقصى الجنوب، في حين توقفت الموجات التالية عند حدود الأراضي التي استقرت فيها الموجات الي سبقتها. وهكذا حتى أقصى الشمال في ولاية ألاسكا. 
ولعلّ هذه الظاهرة تفسّر تعدد هويات الهنود الحمر الذين ما زالوا يلقبون بهذا الاسم على الرغم من ثبوت أصلهم الأسيوي. فهم لا يشكلون قومية بالمفهوم المتعارف عليه، وانما ينقسمون إلى مئات من القبائل. فالفرق بين هندي من قبائل الأباش في الجنوب وآخر من قبائل الأيروكاوا في الشمال يعادل الفرق بين النروجي والبرتغالي اللذين لا يلتقيان إلا من حيث انتمائهما الى العرق الأبيض، فأفراد قبائل البوبيلو مثلاً يشبهون الشعب المنغولي بوجوههم المستديرة والمسطّحة وبقاماتهم التي تتميّز بصدر ضخم ورجلين قصيرتين في حيت يتميّز أفراد قبائل السيوكس بقامات فارغة وأنيقة وسمات ناعمة وأنف رقيق وبشرة أقرب إلى البياض، وكأن الشمس قد لوّحتها. 
وتمكّن العلماء المعاصرون من إحصاء 231 لغة يتخاطب بها الهنود الحمر وهي اللغات التي ما زالت متداولة حتى الآن، في حين أنه لدى اكتشاف القارة الأميركية كان عدد هذه اللغات يقارب الألفين وهي لم تكن مفهومة من كل القبائل على حدّ سواء. وكان يتمّ التعاطي بين قبيلة وأخرى عن طريق الإشارات. وكما تنوّعت لغاتهم كذلك تنوّعت أساليب عيشهم، ففي هذه الأراضي الشاسعة اجتمع الهنود الصيّادون والمزارعون، وكذلك المعدمون الذين كانوا يعيشون من التقاط الثمار. وعاش بعضهم في بيوت ذات طبقات داخل قرى كبيرة، وبعضهم الآخر في أكواخ من أغصان الأشجار. وآخرون تحت خيام من جلد الثور الوحشي. ونتيجة التنوّع هذا، لم تقم في الماضي قومية هندية. 
يتعلق الهنود الحمر بأراضيهم أشدّ التعلق.  فثمّة رابطة وثيقة بين الهندي الأحمر والطبيعة.  بين القبائل والأراضي التي يطؤونها بأقدامهم وهي روابط عاطفية ودينية بعمق لا نجده لدى أي شعب آخر، إذا فقد الهندي الأحمر أرضه. وإذا فقدت القبائل مقاطعاتها، لا يعود هناك مبرّر لوجود الهندي أو القبيلة. 
هنود أرض الثأر
يتكوّن الجزء الواقع في اقصى الجنوب من أميركا الجنوبية من جزر تعرف باسم أرخبيل «أرض النار» وباستثناء الجزء الشرقي من جزيرة «غرانت» فإن هذه الجزر وكذلك الأرض الرئيسية من شبه الجزيرة هي بلاد جبلية. الرياح هناك ممطرة على مدار السنة، وغالباً ما تتكلَّل جبالها العالية بالثلوج، أما سفوحها فمكسوّة بغابات كثيفة دائمة الاخضرار. والجزء الشرقي من جزيرة «غرانت» شبيه بشرق «باتاجونيا» الواقعة في شمال مضيق ماجلان، فهو سهل متعرِّج أشد جفافاً من الجبال الغربية، غير أنه بارد، معشوشب التربة، تعصف به الرياح، وليس فيه بصفة خاصة ما يُغري بني الانسان على الإقامة والاستقرار. ومع ذلك فقد قطنت في الماضي بعض مناطق هذا الإقليم الموحش جماعات من أشدّ الهنود بدائية، وقد وصفهم تشارلز داروين في سنة 1832 بقوله: إنهم أشدّ من لقيت بين الناس تعاسةً وفقراً.  ويستطرد داروين قائلاً: « ولا يستطيع المرء وهو يرى مثل هؤلاء القوم أن يصدق أنهم بشر مثلنا، وأنهم من سكان هذا العالم». وغالباً ما كان يستشهد بهذا الوصف بأسلوب حياتهم، تبريراً لقتلهم، أو للدعوة إلى إرسال البعثات التبشيرية بهدف هدايتهم أو حمايتهم.  ومع ذلك، فهذا النمط البدائي لحياة هؤلاء القوم كان شديد المواءمة للبيئة غير الصالحة التي كانوا يعيشون فيها، أما اليوم، فقد أوشكوا على الانقراض، إذ عجزوا عن احتمال تدخل الرجل الأبيض في تقاليد حياتهم. 
سلالتـا الهنود 
كان هنود السهول يقطنون الشرق، وهم يتألفون من قبائل «تيهوبلش» التي تعيش في أراضي «تاتوجونيا» الرئيسية، وقبائل «أدنادهوش» المقيمة في جزيرة غرانت. وهناك في أقصى الجنوب والغرب يعيش هنود الكانو، وهم يتألفون من قبائل الياجهان أو اليامانا في الجنوب، وقبائل الألاكالوف في الساحل الغربي. 
هنـود الكانـو
تعيش قبائل اليامانا والألاكالوف في مناطق الأرخبيل الأكثر تعرضاً لهطول الأمطار، ويمضون حياتهم وهم يتجوّلون على الشاطئ في قوارب الكانو ولا ينزلون إلى البرّ إلاّ لكي يناموا. وهم يستخدمون قوارب شراعية لها ثلاث حوار، أو زوارق من جذوع الأشجار المجوّفة، وهذه القوارب والزوارق كبيرة الحجم بحيث تتسع لأفراد الأسرة جميعاً. وهم يقطعون بها مسافات طويلة سعياً وراء الطعام. وقد كان الغذاء الرئيسي لهؤلاء القوم بلح البحر، ولكنهم كانوا يقتاتون أيضاً من أي طعام بحري كالسمك، والفقمة، والطيور البحرية وبيضها. 
وفي بعض الأحيان، يجنح حوت صغير إلى الشاطئ وينحسر عنه الماء، فتحتشد الأسر من كل حدب وصوب لتأكله.  ونادراً ما يكتسي هؤلاء الهنود أكثر من قطعة صغيرة من جلد الفقمة أو القضاعة يلقون بها فوق أكتافهم.  وهم ينامون في أكواخ مصنوعة من أغصان الشجر ومغطاة بالجلود، ورغم هذه الثياب، والمساكن البدائية فقد استطاع هنود اليامانا والألاكالوف أن يتحمّلوا جو «أرض النار» القارس البرد، الغزير الأمطار. وقد تبين أخيراً أنّ من بقي حيّاً من هنود الألاكالوف يتكيّفون بطريقة رائعة مع البرد، وأن ما درجوا عليه من التنقل وهم عراة لا يُسبّب لهم أذى. والواقع أن ارتداءهم الثياب الأوروبية التي يصعب أن تجف، أضرّت بهم ضرراً بليغاً. 
ثقافة هنود الكانو
كانت مقتنيات هنود الكانو والأدوات التي يستخدمونها هزيلة ضئيلة معظمها من الطعام والخشب والجلود، يصنعونها باستعمال مدي من الحجارة ومحار بلح البحر. أمّا رؤوس الرماح والسهام فكانت تصنع أحياناً من الزجاج البركاني المعروف باسم «السيج»، وبعد قدوم الأوروبيين، بدأوا يصنعون رؤوس سهام جميلة من زجاج القوارير. ولم يكونوا يعرفون الخزف أو الفخار، ولكنهم كانوا يتخذون من الأصداف الكبيرة آنية، ويصنعون من جلود الفقمة أكياساً لوضع الزيت. 
وفي عام 1850م، كان عدد هنود اليامانا ثلاثة آلاف، وهنود الألاكالوف أربعة آلاف. 
أما في الوقت الحاضر فلا يزيد عدد الأحياء من الهنود المنحدرين من منبت أصيل عن عشرين من الياناما، وخمسين من الألاكالوف. فقد أبادت الأمراض الأوروبية معظم الهنود، خصوصاً السلّ والحصبة، إذ لم تكن لديهم حصانة طبيعية ضدها. 
هنود السهـول
أما قبائل التيهويلش في باتاجونيا والأونا في جزيرة «غرانت» والهوش في الطرف الشرقي من جزيرة غرانت. فيختلفون تماماً عن هنود الكانو.  ويبدو أن هؤلاء القوم نزحوا منذ عشرة آلاف عام نحو الجنوب ليصلوا الى الجزء الجنوبي من القارة.  وهنود السهول هؤلاء أقرب الى هنود أميركا الشمالية ، منهم إلى أي من سكان أميركا الجنوبية. وحياة هؤلاء القوم تكاد تعتمد اعتماداً كلياً على الجوانكو وهو حيوان ثديي بري يمدهم بالطعام، والكساء وأغطية الأكواخ، وأكياس الماء وأوتار الأقواس، والعظام التي يصنعون منها أدواتهم وأسلحتهم. فلولا الجوانكو، لما تمكّن الأونا من البقاء على قيد الحياة إلاّ بشقّ الأنفس. وافتقار الجزء الغربي من «أرض النار» إلى هذه الحيوانات يعدّ سبباً كافياً لعدم دخول الأونا إلى هذه المنطقة أبداً.