بيروت - لبنان

اخر الأخبار

بوابة العالم

23 آذار 2026 02:58م "الردع الجيو-اقتصادي الإيراني".. ونهاية الإمبراطورية الاميركية عند بوابة هرمز

حجم الخط
‏"فقدان السيطرة على مضيق هرمز قد يكون بالنسبة لاميركا بمثابة فقدان بريطانيا السيطرة على قناة السويس عام 1956"، بهذه العبارة اختصر الباحث في تاريخ الإمبراطوريات ومؤسس "بريدج ووتر" الملياردير راي داليو، التحليلات العسكرية والاستراتيجية، متوقعا نهاية الولايات المتحدة على يد رئيسها دونالد ⁧‫ترامب‬⁩ ومضيق هرمز.
قبل أن نتعمق في هذه الجملة، لا بد من أن نعود إلى عام 1956، لأن ما حدث حينها قد يتكرر اليوم.
 قناة السويس.. ونهاية بريطانيا
على مدار قرنين من الزمان، كانت بريطانيا القوة العظمى التي لا تُنافَس، كان الجنيه الإسترليني عملة العالم الاحتياطية، وفرضت القوات البحرية البريطانية سيطرتها على المحيطات، لكن النقطة الأكثر أهمية في قوتها كانت قناة السويس. 
مرور جزء كبير من التجارة العالمية عبرها جعل السيطرة عليها شرياناً حيوياً للدولة الإمبراطورية، من يسيطر على هذه القناة، يسيطر على الاقتصاد العالمي.
في عام 1956، قررت مصر تأميم القناة، وأعلن الرئيس المصري حينها جمال عبد الناصر تأميم شركة قناة السويس كشركة مساهمة مصرية في خطاب تاريخي شهير ألقاه في 26 يوليو 1956 بميدان المنشية بالإسكندرية. جاء هذا القرار رداً على انسحاب الولايات المتحدة وبريطانيا من تمويل مشروع السد العالي، بهدف استخدام إيرادات القناة لبنائه، مما تسبب في توتر دولي قاد إلى العدوان الثلاثي، لكن صمود الجيش المصري والدفاع عن بلده وضغط اميركا والاتحاد السوفيتي لوقف العدوان، ادى الى انتصار مصر سياسيا ودبلوماسياً، رغم التفوق العسكري لبريطانيا وفرنسا وإسرائيل، مما ثبت تأميم قناة السويس وأدى إلى فشل أهداف العدوان الاستراتيجية.
مصر يومها التي لم تكن تمتلك ما تمتلكه ايران من صواريخ واسلحة متطورة استطاعت مجابهة عدوان ثلاثي، فما حال دولة تدير الحرب ببرودة المنتصر.
المشهد اليوم لم يعد مجرد استعراض عضلات، بل وصلنا إلى لحظة "كسر العظم الاستراتيجي"، خصوصا بعد تفجير وزیر الخارجية الإيراني عباس عراقجي قنبلة جيوسياسية، مقدماً جردة حساب عالمية (السويس، بنما، البوسفور تفرض رسوماً)، ليعلن انتهاء عقود من المرور المجاني، واعلانه ان إيران ستفرض ما يصل إلى مليوني دولار (2,000,000$) على كل ناقلة نفط تمر عبر المضيق، اضافة الى رعب الخليج وصرخة شركات الطاقة، والتوسل لواشنطن لعدم ضرب طاقة إيران خوفاً من الانتقام المحتم، وتهديد رئيس مجلس الشورى الإسلامي في إيران محمد باقر قاليباف، انه اذا استهدف ترامب "منشآتنا الكهربائية وبنيتنا التحتية سنستهدف فورًا البنى التحتية الحيوية والطاقة والنفط في كل المنطقة دون رجعة".
وهم المفاوضات للنزول عن الشجرة
امام هذه التحولات من الواضح أن الرئيس الاميركي دونالد ترامب تحسس رقبته وتراجع عن المهلة التي حددها لتوجيه ضربة قوية لمحطات الطاقة والبنية التحتية الإيرانية، والتي كانت تنتهي مساء اليوم، وأعلن عن تأجيل جميع الضربات ضد محطات الطاقة والبنية التحتية للطاقة الإيرانية لمدة 5 ايام.
ترامب رضخ لـ "الردع الجيو-اقتصادي" الإيراني، فعندما أدرك أن تنفيذ إنذاره بضرب محطات الطاقة سيعني تدمير محطات التحلية والكهرباء في الخليج، واشتعال النفط لمستويات كارثية، اضطر لاختلاق قصة "محادثات بناءة"، لكن طهران ببرود استراتيجي قاتل، صفعت هذا الادعاء، نافيةً أي تفاوض، مؤكدة بقاء سيف "هرمز" مسلطاً على رقاب اي معتدي.
هذا التراجع ولو لخمسة ايام دليل على ان ترامب وجد نفسه امام تحدي يشبه تحدي بريطانيا ايام قناة السويس، ولكن هذه المرة في مضيق هرمز الذي يمر حوالي 20% من إمدادات النفط العالمية عبره، فإذا أُغلق مضيق هرمز، فإن العالم سيشهد كارثة اقتصادية: أسعار النفط ستسجل ارتفاعات غير مسبوقة، الاقتصاد العالمي سيتوقف عن الحركة، دول الخليج ستواجه مشاكل في تصدير النفط، أوروبا ستدخل في أزمة طاقة، المصانع الآسيوية ستتوقف.
تخيل أن هناك نفقاً واحداً على طريق سريع، تمر عبره كل الشاحنات المحملة بالغذاء والوقود والمواد الخام. وإذا قرر شخص ما إغلاق هذا النفق، فالنتيجة ستكون كارثية على الجميع، فما بالك اذا انضم اليه اغلاق مضيق باب المندب وجلوس اليمني على كرسي التحكم بمن سيمر عبر هذا المضيق.
تأجيل ترامب للضربة كشف الحقيقة المرعبة ان الحرب لم تعد عسكرية، بل هي حرب أرقام وبورصات فبمجرد إعلان التأجيل، تنفست الرأسمالية الغربية الصعداء، وانخفض سعر خام برنت بنسبة 10% ليصل لـ101 دولار.
نهاية الإمبراطوريات العظمى 
واذا ما عدنا الى النمط الثابت في تاريخ الإمبراطوريات فانها تبدأ بالهيمنة على العالم، تتحكم في الأموال والطرق البحرية، تأتي قوة أصغر وتبدأ تحديها على أحد الطرق التجارية الحيوية وعندما تحاول القوة العظمى فتح هذا الطريق بالقوة، يبدأ الانهيار والثقة تتراجع، الحلفاء يبتعدون، والأموال تهرب.
هذه هي القصة نفسها التي تكررت مع البرتغال، هولندا، وإنجلترا، وها هي اميركا اليوم قد بدأت في الوقوع في نفس الفخ، خصوصا ان وضعها اليوم لا تحسد عليه فلديها ديون ضخمة تجاوزت 38 تريليون دولار، دفع الفوائد على الديون يستهلك تريليونات من الدولارات سنوياً، سلسلة من الهزائم العسكرية في فيتنام، أفغانستان، والعراق، والآن اميركا في مواجهة مع إيران.
والسؤال الابرز هل ستصمد أمام اختبار هرمز؟ وهل يمكن لاميركا تحمل الحرب؟ الجواب الحتمي اننا في لحظة "سقوط الهيبة الاميركية بالضربة الاقتصادية القاضية"، وانتهاء عظمتها عند بوابة هرمز مرهون "بساعة الجنون".