بيروت - لبنان 2022/05/24 م الموافق 1443/10/22 هـ

عن الغزو الروسي الوشيك وموقف ألمانيا الحذر في الأزمة الأوكرانية

حجم الخط

أجدني أهلل لألمانيا، وليس للمرة الأولى، ربما ببعض الهدوء ومن دون إبراز ذلك، بيد أنه احتفاء وترحيب في كل الأحوال. وهذا لأن ألمانيا - علماً بأن هذا ليس موقفها وحدها تماماً، ولكنه يكاد يكون كذلك - قد اختارت عدم المشاركة في ما يبدو أنه هستيريا خطيرة، تؤججها الولايات المتحدة و المملكة المتحدة ، بشأن غزو روسي وشيك لأوكرانيا .

بقيت ألمانيا عاقلة وواقعية من دون ضجيج، وتمسكت بمصالحها الوطنية، وأيضاً، بما تراه من دون شك على أنه في مصلحة أوروبا.

وسأغامر أيضاً بتذكير جميع أولئك الذين يسعون للفوز برأسمال سياسي من خلال إدانة ألمانيا، أن المرة الأخيرة التي بدت فيها غير متوافقة أبداً مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة كانت حين رفض المستشار الأسبق غيرهارد شرودر المشاركة بالعمل العسكري الرامي إلى إطاحة صدام حسين. كانت على حق حينذاك، والآن، وكما يحدث في ظل مستشار ديمقراطي اشتراكي آخر، هو أولاف شولتز، مع وزيرة خارجية أيضاً من الخضر، أنالينا بربوك، ألمانيا على حق من جديد.

كما أن ألمانيا ليست مخطئة في عدم إرسال، ما أطلقت عليه الولايات المتحدة بشكل مخفف اسم "معونة قاتلة"، إلى كييف. فمن خلال رفضها الاشتراك في عمليات الشحن الجوي للأسلحة إلى أوكرانيا، لا تلتزم ألمانيا قوانينها الخاصة فقط (وهذه مرآة تاريخها الخاص)، بل أيضاً ترفض بشكل عقلاني أن تؤجج صراعاً يدور منذ فترة طويلة ويمكن أن يخرج الآن عن السيطرة. مزيد من المعدات لن يجعل هذا الجزء من أوروبا الشرقية، أو أي مكان آخر، أكثر أمناً.

وغني عن القول تقريباً إن الائتلاف الثلاثي الجديد في ألمانيا والموجود في منصبه فقط منذ ديسمبر (كانون الأول) لا يتلقى أي شكر على موقفه. ففي داخل البلاد، يصطف من يضاهون الشخصيات المرموقة في السياسة الخارجية لدينا [الأميركية] لإدانة ما يعتبرونه خروج ألمانيا المتهور على الجبهة الغربية الموحدة كما هو مفترض. أما في الخارج، وعلى أقل تقدير في العالم الناطق بالإنجليزية وأوكرانيا فألمانيا تتعرض لمزيد من الانتقادات، بسبب ما ينظر إليه على أنه نفور ونأي من الصراع (لكن أراني عاجزة عن القول ما هو السيئ للغاية في ذلك).

كانت إحدى النتائج تتمثل في سيل منتظم من الألمان المجروحين إلى حد ما ممن يشتكون عبر وسائل التواصل الاجتماعي من أن بلادهم تعاني جديداً من الملاحقة وسوء الفهم. ربما كان هؤلاء على حق في جانب واحد. يمكن لألمانيا أن تكون أكثر وضوحاً في العالم الناطق بالإنجليزية بشأن مبرراتها المنطقية. إن رفضها لاستعمال العصا الكبيرة لا يعني أنها تحتاج أيضاً إلى الحديث بنعومة كما كانت تفعل حتى الآن في الأزمة الأوكرانية.

هناك أسباب لذلك، فقد يعكس تحفظ الحكومة الحقيقة المتمثلة في أنها لم تعتد بعد على السلطة، وعليها أن تحافظ على التوازن الدقيق بين أحزاب الائتلاف الثلاثي، الحزب الاشتراكي الديمقراطي، والخضر، وحزب الديمقراطيين الأحرار المؤيد لاقتصاد السوق. ومن دون شك، يعلم شولتز، بوصفه سياسياً محنكاً أن الوزراء يجب، إن أمكن، أن يتجنبوا قول أو فعل ما من شأنه أن يشير إلى وجود شرخ حقيقي في التحالف الغربي. وهذا ما يفسر إقالة قائد سلاح البحرية في البلاد.

كشف كاي أخيم شونباخ خلال زيارة كان يقوم بها إلى الهند عن بعض الحقائق غير السارة [عن الغرب]. قال إن الحديث عن غزو روسي لأوكرانيا كان كلاماً فارغاً، وإنه ليس هناك احتمال لعودة شبه جزيرة القرم إلى أوكرانيا وإن روسيا لا تريد إلا الاحترام، وهو ما في وسع الغرب تقديمه. كان هناك، على الرغم من هذا، أشياء لا يمكن قولها في هذه المرحلة بالذات، وخلال ساعات من انتشار ملاحظاته، كان قد ولى [عزل]. وأنا أراهن، مع ذلك، أن وجهات نظره لا تزال على حالها.

بعد ذلك، وربما في سبيل إصلاح بعض الضرر الملحوظ، شارك شولتز في مكالمة هاتفية مشتركة مع الرئيس بايدن والقادة الأوروبيين الآخرين، وذلك بعد أن أصدروا بياناً للتضامن مع أوكرانيا. وأعلنت ألمانيا أيضاً عن إرسال 5000 خوذة إلى كييف، وهي مساهمة لم تنل سوى شكر ضئيل عليها، وحتى بعض الاستهزاء، بينما يتندر الناس قائلين قد يأتي دور الوسائد والأغطية تالياً.

لكن الإيحاء، كما يفعل الكثيرون، أن موقف ألمانيا الرسمي حول المواجهة بين الغرب وروسيا بسبب أوكرانيا أناني أو يقوض التحالف الغربي، فهذا، كما أعتقد، تصرف خاطئ. ذهب كبار شخصيات الحكومة الأوكرانية إلى حد القول إن الكلمات القاسية الآتية من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة يمكن أن تجعل الأمور أسوأ بكثير وتفاقمها. هناك الكثير مما يجب قوله من أجل إبقاء روسيا منخرطة، وبالفعل، ربما كانت هذه هي الطريقة الوحيدة المتبقية لتفادي الكارثة. وقد تكون ألمانيا، ولا سيما بفضل تجربتها في التحدث إلى روسيا خلال الحرب الباردة (الأحدث) هي الدولة المؤهلة للقيام بذلك.

وبرلين متهمة أيضاً بترجيح كفة مصالحها التجارية الخاصة على كفة المبادئ أو "القيم"، والمقصود بذلك هو التزامها مشروع "نورد ستريم 2" لأنابيب الغاز، الذي انتهى العمل به في الصيف الماضي وهو ينقل الغاز مباشرة من محطة بالقرب من سانت بطرسبورغ إلى ساحل ألمانيا على بحر البلطيق. كان المشروع مثيراً للجدل منذ البداية. ويعود ذلك بشكل كبير إلى أنه يتجاوز أوكرانيا، ما يعني أنه يحرم تلك الدولة من رسوم المرور التي تتلقاها من خط الأنابيب الحالي.

ويمكن أيضاً إلقاء بعض اللوم على أنغيلا ميركل لإضعاف موقف ألمانيا في مجال الطاقة من خلال التعجيل بالإغلاق المقرر لمحطات الطاقة النووية ، الأمر الذي أدى إلى زيادة اعتماد البلاد على الغاز الروسي، على الأقل حتى تكون الإجراءات المصممة لتحقيق أهداف تصفير صافي الانبعاثات قد أحرزت مزيداً من التقدم.

لكن التفكير الكامن وراء "نورد ستريم 2" لا يشي فقط بدفاع ألمانيا (المعقول بشكل كامل) عن مصالحها هي، بل يعبر أيضاً عن نهج منطقي يستشرف المستقبل بما يخص العلاقات مع روسيا. ويخلق خط أنابيب جديد اعتماداً متبادلاً، ما يستلزم ابقاء قنوات التواصل مفتوحة. وهو يوفر أيضاً فوائد لأوروبا برمتها. كيف يمكن أن يكون من المنطقي على المستوى التجاري أو البيئي، بالنسبة لأوروبا أن تستنفد المصادر الموجودة في أرضها هي، أو أن تستورد الطاقة من أماكن بعيدة جداً (بما في ذلك الولايات المتحدة)، في وقت الذي توجد فيه مصادر وفيرة للطاقة عملياً على عتبة بيتها؟

كما أن ألمانيا ليس معزولة تماماً كما قد يبدو، بما يتعلق بالأزمة الأوكرانية الحالية. ومع أن فرنسا بقيت تتجنب لفت الأنظار بهذا الخصوص، لمحت إلى أن حكمها على احتمال حصول هجوم روسي على أوكرانيا لا يتوافق على نحو كامل مع حكم الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. وتحرك الرئيس ماكرون لإحياء ما يسمى صيغة النورماندي من أجل إجراء مباحثات حول النزاع في شرق أوكرانيا، كما حاول إبقاء الروابط مع موسكو نابضة بالحياة، بيد أنه قد يشعر أن عليه التزام الحذر. ففي حين فاز شولتز للتو بالانتخابات، يحين موعد انتخابات ماكرون إلا في أبريل (نيسان)، ومرشحو المعارضة الذين يقفون إلى يمينه ينافسونه بشدة ويهددون بالتغلب عليه. وإن أي خطوة خاطئة يتخذها في أوكرانيا من شأنها، سواء جاءت على شكل التورط في صراع عسكري أو الوقوف جانباً، أن تكون مكلفة للغاية.

في غضون ذلك إن الغياب الواضح للحماس في باريس وبرلين للصراع مع روسيا ينظر إليه في بعض الأنحاء كدليل على الافتقار إلى التصميم، أو حتى على حصول انشقاق، في الاتحاد الأوروبي. وهذا، بدوره، ينظر إليه على أنه سبب استبعاد الاتحاد الأوروبي بشكل كبير من المجموعة التي تصنع القرارات حول الأزمة في هذه المرة، حتى مع أنه كان لاعباً رئيساً في محاولة حل الصراعات الأوكرانية في عام 2014، إلا أن من السهولة بمكان القول إن الاتحاد الأوروبي منقسم حول أوكرانيا. نعم، إنه منقسم حول الطريقة الأفضل للتعبير عن دعمه للبلاد، وإلى أي حد تمثل روسيا تهديداً لأوكرانيا، وما إذا كان ينبغي بها (على الإطلاق) أن تنضم إلى الناتو، ولكنه ليس منقسماً بشأن وضع أوكرانيا كدولة مستقلة ذات سيادة.

حتى وقت قريب، كان يمكن القول إن لـ"صقور" الاتحاد الأوروبي، وهي دول الكتلة السوفياتية والشرقية السوفياتية السابقة والسويد والمملكة المتحدة، صوتاً أعلى من صوت تلك التي كانت أكثر ميلاً للتفاوض مع روسيا، أو على الأقل متساوٍ معها، مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا، لكن، أخذ هذا التوازن يتغير في أعقاب الـ"بريكست"، وقد يتحول بصورة حاسمة لا عودة عنها بمجرد أن يصبح شولتز أكثر ثقة في السلطة، وبمجرد فوز ماكرون بولاية جديدة كرئيس لفرنسا، لكن على الرغم من تطمينات بايدن، فحماية الولايات المتحدة لا تبدو أكيدة كما بدت ذات يوم، وخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي قد رفع حاجزاً كبيراً من أمام [تنفيذ] مشروع دفاعي أوروبي من النوع الذي يفضله ماكرون. تحتاج أوروبا إلى تعريف من جديد موقعها الجغرافي، حيث تتشارك قارة مع روسيا، وكل الإيجابيات والسلبيات التي تؤدي إليها [هذه الشراكة]. تمر أوروبا في الوقت الراهن بمرحلة انتقالية، تتميز بصراع مفتوح من أجل أوكرانيا. وكما حصل في حرب العراق، فقد يتضح أن ألمانيا في الجانب الصحيح من التاريخ.

المصدر: اندبندنت عربية



أخبار ذات صلة

المساعدون القضائيون يحتجون على واقعهم المعيشي
الولايات المتحدة تعرض بيع العتاد العسكري والنفط على الهند
هل ستحضر فنلندا والسويد قمة الناتو في مدريد؟