إيل تسير كوهين
• إن الحملة ضد إيران تعلِمُنا درساً غير مريح: من دون غزو بري أو انتفاضة شعبية، لا يمكن إسقاط نظام من الجو وحده. ومع ذلك، يمكن إنشاء واقع أمني جديد إذا فُهِم أنه لا يكفي ضرب منصات الإطلاق والمقار العسكرية فقط، بل يجب أيضاً ضرب المال، ومفاصل السيطرة، وقدرة النظام على الاستمرار في العمل. وحتى الآن، أثبتت إيران حقيقة أساسية فضّل كثيرون ألاّ يروها مسبقاً، أو تجاهلوها: إيران لا تحتاج إلى الانتصار في هذه المعركة، إنما يكفيها أن تصمد.
من وجهة نظر طهران، فإن مجرد القدرة على التحمل والاستمرار وإطلاق النار بصورة متقطّعة وتعطيل الحياة الطبيعية وإبقاء منطقة عالمية مهمة في حالة توتر يُعد نوعاً من الإنجاز؛ فأسعار النفط ترتفع، ودول المنطقة تتعرض لضغوط كبيرة، ليس فقط بسبب ما يحدث الآن، بل أيضاً بسبب الخوف مما سيحدث لاحقاً. وكثير من هذه الدول يخشى اضطرابات داخلية وعدم استقرار في بلادها، كما أنها تخشى أيضاً اللحظة التي قد تخرج فيها إيران من هذه المعركة واقفة على قدميها لتُحاسبها عندما لا يكون «العم سام» موجوداً.
• وفي هذا السياق، يستمر التقطير الصاروخي، وهو يحقق جزءاً كبيراً من تأثيره، حتى عندما يكون حجمه محدوداً نسبياً. فصاروخ واحد يومياً يمكن أن يملك قوة هائلة؛ فهو حتى عندما لا يصيب هدفاً مباشرةً، فإنه يوقف الحياة، ويثير حالة من القلق، ويشل النشاط، ويؤثر في الوعي العام. وبهذا المعنى، يمكن لعدد صغير من عمليات الإطلاق أن يحقق نحو 80% من التأثير.
وهم الانتفاضة : كان هناك من ظن أن مجرد التهديد العسكري سيكفي لإخراج الجماهير إلى الشوارع في إيران، ثم قال آخرون إن الجمهور ربما لا يخرج الآن، لكنه سيخرج عندما تدوي المدافع وتدخل الولايات المتحدة بكل ثقلها في المعركة، لكن ذلك لم يحدث.
وكان هناك أيضاً من راهن على أن الأقليات ستستغل اللحظة التاريخية وتفتح جبهة داخلية، وهذا أيضاً لم يحدث حتى الآن، فلا توجد حالياً أصوات ثورة في إيران، ولا يوجد سبب جدي لاعتقاد أنها ستظهر فجأة الأسبوع المقبل.
في رأيي، السبب ليس القصف بحد ذاته، فإطلاق النار ليس موجَّهاً إلى مراكز السكان أو المدنيين، والجمهور في إيران يعرف ذلك، فهو يفهم جيداً أن المعركة ليست موجهة ضده كجمهور، لكن هذا الفهم لا يكفي لإخراج الجماهير الغاضبة إلى الشوارع.
فالأنظمة لا تسقط لمجرد أنها تُقصف، إنما تنهار عندما تفقد السيطرة على الناس، ويتآكل الخوف، وينفد المال الذي يمول أجهزة القوة والقمع والولاء. الدرس من سورية: الأنظمة لا تسقط فجأة.
حتى في سورية يجب تفنيد وهم «الانهيار المفاجئ»، فكثيرون يميلون إلى وصف سقوط نظام بشار الأسد وكأنه حدث سريع ومفاجئ، وكأنه وقع في لحظة واحدة تقريباً، لكن هذه قراءة سطحية للواقع.
لم يكن سقوط النظام السوري نتيجة لحظة واحدة، بل عملية استنزاف طويلة بدأت مع اندلاع الحرب الأهلية سنة 2011، وعلى مدى أعوام، تآكل النظام عسكرياً واقتصادياً وسياسياً واجتماعياً. كل جولة قتال، وكل ضربة لشرعيته، وكل فقدان للسيطرة على أرض، وكل اعتماد متزايد على داعمين خارجيين، وكل تصدع في قدرته على الحكم، كانت ضربة إضافية في سلسلة ضربات شقّت الصخرة. لذلك، عندما جاءت الضربة التي بدت للبعض حاسمة، لم تضرب نظاماً قوياً وسليماً، إنما ضربت نظاماً كان قد تآكل منذ أعوام.
وهذا هو الدرس المهم فيما يتعلق بإيران: مَن يبحث عن لحظة انهيار واحدة، يغفل عن أن الأنظمة عادة تسقط بعد فترة طويلة من الاستنزاف المتراكم.
هذه الحقيقة لا تنطبق على إيران وحدها، بل على لبنان أيضاً؛ ففي لبنان، توجد أحياناً توقعات بأن يقوم شخص آخر بالمهمة: أن ينهض الجيش اللبناني فجأة ويغير طبيعته ويواجه حزب الله، لكن هذا لن يحدث. كما أن الافتراض أن تعزيز الجيش اللبناني سيجعله قادراً على مواجهة المشكلة الشيعية هو افتراض خطِر؛ فهناك خطر أن تنقلب الأسلحة في الاتجاه المعاكس، أو أن تقع أسلحة الجيش اللبناني في أيدي جهة متطرفة أُخرى، ويكفي التذكير بكيفية سقوط أسلحة النظام الأفغاني في أيدي طالبان، وكيف وصلت أسلحة الجيش العراقي إلى تنظيم داعش. ما الذي قد يجعل النظام في طهران يفقد السيطرة؟
من هنا تأتي الخلاصة الأصعب: إذا استمررنا في ضرب كل ما يطلق النار علينا في إيران، سنحقق إنجازات عملياتية مهمة جداً، لكننا لن نهدم أسس النظام. ضرْب البرنامج النووي أمر حاسم، وضرب منصات الإطلاق والمقار ومنظومات الدفاع الجوي والمخازن والبنى العسكرية أمر ضروري، لكن إذا كان الهدف ليس فقط تقليل إطلاق النار، بل أيضاً كسر مركز ثقل النظام، فهذا لن يكون كافياً، فمركز ثقل النظام الإيراني ليس عسكرياً فقط، بل يعتمد أيضاً على: مصادر الدخل، وآليات السيطرة، ومؤسسات القوة المدنية، وشبكات الولاء، والقدرة على إدارة الدولة بقبضة حديدية حتى تحت الهجوم. لذلك، إذا كان الهدف منع النظام من التعافي فعلياً، فإنه يجب ضرب مصادر دخله وسيطرته أيضاً، وليس فقط قدرته على إطلاق النار، بل أيضاً قدرته على الحكم.
عندما لا توجد عملية برية ولا انتفاضة داخلية، فإن ثمن الحرب عن بعد هو توسيع دائرة الأهداف، ليس بمعنى استهداف المدنيين عمداً، بل بمعنى ضرب أهداف تؤثر أيضاً في الحياة المدنية والاقتصاد والقدرة اليومية للنظام على الظهور بمظهر المسيطر على الوضع. مَن يريد نتيجة استراتيجية من دون إدخال قوات برية أو اعتماد على تمرد داخلي، يجب أن يفهم أنه لا يمكن الاكتفاء بالأهداف العسكرية الضيقة. لا داعي للبحث عن «صورة نصر».
إذا سقط النظام، فسيكون ذلك حدثاً دراماتيكياً، لكن حتى لو لم يسقط، فهذا لا يعني أن الحملة فشلت. فحتى النظام الأوتوقراطي المتطرف يمكن أن يبقى قائماً، ومع ذلك، يخرج من الحرب أضعف بكثير، وأفقر، وأكثر تقييداً وحذراً، وأقل قدرة على تهديد محيطه، وهذا أيضاً إنجاز مهم، وقد يكون في الواقع أقصى ما يمكن تحقيقه في الأوضاع الحالية. حتى صاروخ واحد يومياً هو إنجاز لإيران • هناك نقطة أُخرى مهمة؛ حتى لو تحققت هذه الإنجازات، فلن تصمد من تلقاء نفسها، إذ يتطلب الحفاظ عليها الاستمرارية، التي تتطلب بدورها استخدام القوة مع مرور الوقت، حتى لو بدرجات متفاوتة، ليس لأن الضرب بحد ذاته هدف، بل لأن الأنظمة الراديكالية في الشرق الأوسط تختبر دائماً أي علامة ضعف أو تعب لدى خصومها، فإذا رأت أن الضغط انتهى، فستعود بالتدريج إلى ما كانت تفعله.
إيران لا تحتاج إلى الانتصار، بل يكفيها أن تصمد. أمّا إسرائيل والولايات المتحدة، فعليهما إنشاء وضع تبقى فيه إيران -حتى لو بقي النظام- ضعيفة، وأقل قدرة، وأكثر حذراً في المستقبل.
ليس الضروري صورة انتصار احتفالية، إنما واقع أمني جديد.
المصدر: قناة N12
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية