صحافة أجنبية

6 شباط 2026 12:00ص من إعلام العدو: الشرطة والجيش والشاباك شركاء في التطهير العرقي الذي ينفِّذه مثيرو الشغب اليهود في المناطق المحتلة

حجم الخط
إيهود أولمرت

تجري في أراضي الضفة الغربية محاولة عنيفة وإجرامية للتطهير العرقي. حيث تطارد مجموعاتٌ من المستوطنين المسلحين والعنيفين الفلسطينيين المقيمين هناك، فتعتدي عليهم، وتجرحهم، لا بل تقتلهم. تشمل أعمال الشغب حرق بساتين الزيتون والمنازل والسيارات، واقتحام البيوت، والاعتداء الجسدي على السكان؛ كذلك يتم الاعتداء على قطعان الأغنام، وتشتيتها ومحاولة سرقتها، فالمخرّبون الإرهابيون اليهود يهاجمون الفلسطينيين بدافع الكراهية والعنف، وهدفهم واحد: دفعهم إلى الفرار من أماكن سكناهم، وهذا كله على أمل أن تُهيَّأ الأرض بعد ذلك للاستيطان اليهودي - في الطريق إلى تحقيق حلم ضمّ جميع الأراضي [المحتلة].
هذا كله يحدث أمام أعين الشرطة والجنود الذين يغضّون الطَرف، ويحاولون حماية المخرّبين، ويدّعون أن المقصود أقلية ضئيلة، بضع عشرات من المراهقين الجانحين، لا يمثلون الجمهور المقيم بالأراضي، والذي يُفترض أنه يعارض أعمال العنف. إلّا إن الواقع يتحدث عن المئات من الشبان العنيفين، الذين ما كان في استطاعتهم تنفيذ هذه الاعتداءات لولا تسليحهم، بمبادرة وإيحاء من وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير. وبكلمات أُخرى، تنشط في الضفة ميليشيات تحظى بدعم ومساندة ومساعدة مباشرة وغير مباشرة من جهات الحكم في دولة إسرائيل.
حتى إن شرطة إسرائيل تشكل مصدر إلهامٍ للإرهابيين اليهود؛ يومياً، تُرتكب أعمال بلطجة ضد الفلسطينيين، وللمفارقة، فإن الشرطة لا تنجح في تحديد هوية المخرّبين، أو منع أفعالهم قبل وقوعها، أو اعتقال أيٍّ منهم بعد وقوع أعمال الشغب. وفي حالات كثيرة، يكون ضحايا الجرائم هم هدف تطبيق القانون، فيتم اعتقال الفلسطينيين، وليس الإرهابيين اليهود. لو كان المقصود حادثة عابرة، أو فشلاً عارضاً للشرطة، لكان في الإمكان محاولة تبرير تقصيرها. لكن استناداً إلى الوضع القائم، لا مفرّ من الاعتراف بأن الأمر سياسة متعمّدة، والشرطة الإسرائيلية تساعد بشكل فعّال، كسياسة، على تنفيذ هذه الجرائم.
أيضاً يثير أداء جهاز الأمن الشاباك التساؤل، في ظل تكرار العمليات الإرهابية التي ينفّذها يهود؛ يبدو كأن الشاباك لا يستخدم ضد الإرهابيين اليهود الوسائل التي يستخدمها بفعالية ضد «الإرهاب» الفلسطيني؛ فهو لا يعمل بحزم لإحباط الإرهاب اليهودي مسبقاً، ولا لتحديد هوية المخرّبين، ولا لملاحقة قادة هذه العصابات واعتقالهم.
لقد أصبحت وزارة الدفاع أيضاً شريكاً في هذه السياسة، ولا تُنسى رسالة وزير الدفاع: لا مزيد من أوامر الاعتقال الإداري ضد اليهود. كانت هذه إشارة واضحة إلى المخرّبين بأن العائق الوحيد الذي ربما كان يمكن أن يردعهم أُزيلَ من الطريق.
لا تتخذ قوات الجيش الإسرائيلي في الأراضي [المحتلة] خطوات لمنع أعمال الشغب فحسب، بل إنها في حالات كثيرة تتعاون مع المخرّبين، أو تكون موجودة بالقرب من الأحداث، ترى ولا تفعل شيئاً، وقيادات المستوطنين تقدّم للمخرّبين اليهود في الضفة دعماً ومساندة سياسية وحماية من الجهات التي يُفترض أن تعاقبهم، وفقاً للقانون.
إن قادة الجمهور الديني القومي ورؤساء حركة الاستيطان ورؤساء المجالس الإقليمية في الضفة يوفرون غطاء الحماية والدعم، والمساندة السياسية، والعون الجماهيري، والدفاع عن المخرّبين في مواجهة مَن يُفترض بهم اتخاذ الإجراءات القانونية والأخلاقية، والمستمدة من التراث والتقاليد اليهودية. ومن أبرز رؤساء المجالس الإقليمية رئيس المجلس الإقليمي بنيامين، يسرائيل غانتس. يُذكر خطابه في جنازة تسالا غاز، من مستوطنة بروخين، التي كانت مع زوجها في طريقها للولادة في المستشفى، وقُتلت بوحشية على يد «إرهابيين فلسطينيين» (وبعد أيام، توفي الجنين أيضاً). قال غانتس: «إن الطريق الوحيدة التي ستمنع حدوث هجمات خطِرة كهذه هي تحويل مراكز المدن والقرى التي يخرج منها القتَلة إلى أنقاض.» وبقيَ الحشد الكبير الذي حضر صامتاً، فلم يُسمع صوت احتجاج واحد على هذا التحريض من أيٍّ من القادة البارزين.
هؤلاء القادة يمثلون رأي جزء كبير من الجمهور المقيم بأراضي الضفة. لا توجد أيّ طريقة للتبرير لهذا الجمهور، أو الدفاع عنه. والادعاء الذي يردده كثيرون ممّن يمثلون الإرهابيين اليهود في برامج النقاش التلفزيونية هو أن «شبان التلال» مجموعة صغيرة جداً، أقلية من مثيري الشغب، وأن معظمهم يعاني جرّاء أعراض عدم التكيف الاجتماعي؛ إنه ادّعاء كاذب، فالجمهور اليهودي المقيم بالأراضي يتستر على المخرّبين، ويحميهم، ويمنحهم كل الدعم العملي اللازم للاختباء والنجاة من الجهات التي يُفترض أن تصل إليهم لإيقافهم. لا يوجد تفسير آخر للصمت المطلق لسكان الأراضي إزاء ما يحدث أمام أعينهم؛ لا يمكن أن يكون ذلك إلا لأن المخرّبين يعملون في بيئة داعمة ومشجعة. فالجمهور اليهودي الكبير، مئات الآلاف، المقيم بالأراضي، يمتنع من الرد لأن هؤلاء الشبان، على ما يبدو، يمثلون إرادته وتطلعاته وأمله بأن يتمكنوا، يوماً ما، من التخلص من الجيران الفلسطينيين، وأن يكونوا المالِكين الوحيدين للأرض التي وعد بها إله إسرائيل، بحسب معتقدهم، بأنها للشعب اليهودي وحده.
في دولة متحضرة (منذ أعوام، لم تعُد إسرائيل دولة متحضرة)، كان من المتوقع أن تقف الشرطة، والنيابة العامة، والمحاكم، والحكومة، ورئيس الوزراء، ورئيس الدولة، بحزمٍ في مواجهة هؤلاء المخرّبين، لكن يبدو كأنه في دولة انهارت فيها كل قواعد السلوك العام، ودُهست أبسط مبادئ العدالة الإنسانية والتسامح، بات احتمال أن يقف أحد من هذه الجهات بقوة ويعمل على وقف الجرائم ضئيلاً للغاية.
في غياب ردة فعل طبيعية من داخل الدولة، لا مفرّ من الأمل بأن يتدخل المجتمع الدولي، ويتخذ إجراءات سياسية تُجبر الحكومة على تفعيل الآليات التي يُفترض أن تعمل في دولة ديمقراطية. وهذا كله من أجل وقف الجرائم ضد الإنسانية التي تُرتكب برعايتها، وتحت تغطيتها، وبدعمها، وبدرجة كبيرة أيضاً، بتأييد منها. ربما يكون لا مفرّ من أن تصبح المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي العنوان الحتمي للتحقيق، وكشف المسؤولين، واتخاذ الإجراءات التي ستؤدي إلى اعتقالهم ومحاكمتهم في نهاية المطاف.
إن أوامر الاعتقال التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بحق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، والتي تزعم مسؤوليتهما عن وقوع جرائم ضد الإنسانية في الحرب على قطاع غزة، لم تكن مبنية على أسس متينة. فمن المعقول جداً الادّعاء أن جرائم حربٍ ارتُكبت في قطاع غزة. اليوم، أصبح معروفاً أن حوادث «استثنائية» وقعت هناك تندرج ضمن خانة جرائم الحرب، وسيتعين على الدولة التعامل مع أمور سيتم التحقيق فيها وكشفها، لكنني لا أستطيع تأييد الادّعاء الذي يُطرح أحياناً، ومفاده بأن هناك «سياسة متعمدة» أدّت إلى ارتكاب مثل هذه الجرائم؛ لذلك، من المرجّح جداً أن إصدار أوامر الاعتقال بحق نتنياهو وغالانت لم يكن يستند إلى «أدلة قوية» تشير إلى مسؤولية شخصية ومباشرة لهما.
لكن الأمر مختلف تماماً في ما يتعلق بما يحدث في الأراضي؛ هنا، كل شيء مكشوف ويجري أمام أعين جميع الجهات المسؤولة عن تطبيق القانون؛ والصمت، والامتناع من ردّ صارم وملائم، والتستر والدعم،  أمور تتحمل مسؤوليتها الحكومة، ومَن يقفون على رأسها ويقودونها.

المصدر: هآرتس
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية