بيروت - لبنان

اخر الأخبار

صحافة أجنبية

9 شباط 2026 12:05ص من إعلام العدو: ترامب لم يتعلَّم الدرس الإيراني

حجم الخط
إيال زيسر

قبل أسابيع قليلة فقط، بدا كأن مصير النظام في طهران حُسم؛ إذ اجتاحت احتجاجات شعبية واسعة شاركت فيها حشود من الإيرانيين الشوارع، وبدا كأنها على وشك إسقاط النظام الإيراني، على الرغم من محاولاته إغراق المتظاهرين في أنهار من الدماء.
كل ما كان مطلوباً هو توجيه ضربة قاضية إلى رأس النظام، سواء عبر تصفية قياداته، أو من خلال ضرب مراكز قوته، وعلى رأسها الحرس الثوري؛ غير أن هذه الضربة، التي لم يكن في استطاعة أحد توجيهها سوى الأميركيين، لم تأتِ.
 وحده التاريخ سيحكم ما إذا كان هناك فعلاً فرصة حقيقية لإسقاط النظام الإيراني، وما إذا كان الرئيس الأميركي فوّت فرصة ذهبية ربما لا تتكرر في المستقبل المنظور. لكن هذا كله أصبح الآن من قبيل الفرصة الضائعة.  فالاحتجاجات في إيران خمدت في الوقت الراهن، وبدأ النظام يستعيد عافيته؛ وفي غضون ذلك، فإن سعي الأميركيين لفتح باب المفاوضات والتوصل إلى اتفاق لا يعني سوى أمر واحد: مدّ حبل النجاة لنظام الملالي في طهران، يتيح لهم البقاء في الحكم ومواصلة نهجهم.
يواصل ترامب إطلاق التهديدات، ويرسل مزيداً ومزيداً من القوات العسكرية إلى الخليج الفارسي. وهو يأمل بأن يكون ذلك لإقناع الإيرانيين بالتوصل إلى اتفاق يمكنه إضافته إلى قائمة الاتفاقات التي وقّعها خلال العام الماضي؛ قائمة يراها البعض محترمة، بينما يشكك آخرون في قيمتها، لكن ترامب نسيَ أن إيران ليست فنزويلا، وليست إسرائيل، ولا حتى حركة «حماس» التي فرض عليها اتفاقات بشروطه.
وعموماً، حتى اليوم، لم يجرِ ترامب مفاوضات حقيقية مع أي طرف، بل اكتفى بإملاء إرادته على دول وقادة يعتمدون عليه، ولذلك، يسعون لإرضائه؛ المفاوضات الوحيدة التي خاضها كانت مع روسيا بشأن وقف الحرب في أوكرانيا، وحسبما هو معروف، لم تتقدم، ولا تزال تراوح مكانها.
إذا كان هناك من أمر يتقنه الإيرانيون، فهو إدارة المفاوضات: المماطلة وكسب الوقت، وخداع الخصم واستنزافه، وفي النهاية، التوصل إلى اتفاق يخدم مصالحهم. في الواقع، ما يهمّ آيات الله، قبل كل شيء، هو بقاء النظام، وكل ما عدا ذلك قابل للتفاوض، لأن التجربة أثبتت أن ما يقدمه الإيرانيون اليوم يمكنهم استعادته غداً.
في سنة 1988، وبعد ثمانية أعوام من الحرب الدامية مع العراق، فاجأ الإمام الخميني، قائد إيران، شعبه بإعلانه استعداده لوقف إطلاق النار، على الرغم من أنه دعا سابقاً إلى حرب شاملة حتى تحقيق النصر الكامل على عراق صدام حسين. وشرح الخميني قراره بالقول إن ذلك يشبه تجرُّع كأس من السم، لكنه لا يملك خياراً آخر، بعد أن بدأ صدام حسين باستخدام السلاح الكيميائي وقصف المدن الإيرانية بآلاف الصواريخ.
ومنذ ذلك الحين، تجرّع القادة الإيرانيون عدة كؤوس أُخرى من السم. ففي سنة 2003، أوقفوا مشروعهم النووي بشكل موقت، بعد أن احتل الأميركيون العراق، وبدا كأنهم في طريقهم إلى طهران. وكرروا الأمر بعد عقد من الزمن عندما توصلوا إلى اتفاق مع الرئيس أوباما، والذي جمّد بدوره تقدّمهم نحو القنبلة النووية.
لقد أظهر الإيرانيون براغماتية هدفها بقاء النظام، لكن تبيّن لاحقاً أن كل التنازلات التي قدّموها كانت وهمية؛ فهُم لم يتخلّوا فعلياً عن مشروعهم النووي، بل جمّدوه فقط، ليعيدوا إطلاقه فور أن تسنح لهم الفرصة. أمّا دعم «الإرهاب» في اليمن والعراق ولبنان، وتطوير الصواريخ، فلم يكن مطروحاً أصلاً على طاولة المفاوضات. ومن وجهة نظر إيران، ما كان هو ما سيكون أيضاً هذه المرة؛ لذلك، لا يجب التفاوض مع النظام الإيراني، بل يجب إسقاطه.
وإذا أراد ترامب أن «يلعب اللعبة»، فبدلاً من المفاوضات، عليه أن يقدّم للإيرانيين إنذاراً نهائياً بقبول شروطه، وأن يضمن هذه المرة عدم وجود تنازلات، أو تسويات، بل الاستسلام الكامل: تفكيك البرنامج النووي، والقضاء على مشروع الصواريخ الإيراني، وتفكيك أذرع «الإرهاب» التي أنشأتها إيران في لبنان واليمن والعراق. وإلّا، فلن نكون قد أنجزنا شيئاً.

المصدر: يسرائيل هيوم
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية