بيروت - لبنان

اخر الأخبار

صحافة أجنبية

14 تشرين الثاني 2025 12:10ص من إعلام العدو: طَلَبْ ترامب العفو لنتنياهو: حبل يلتف على عنق النظام!

حجم الخط
آنا برسكي

رأينا في الأمس الجانب المظلم من التقارب المفرط بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، وبين نتنياهو وترامب: لفتة رئاسية استثنائية تحمل معها، ليس فقط الدعم، بل أيضاً الضغط، من خلال اقتراحٍ بشأن تجاوُز المسار القضائي الإسرائيلي باسم «الوحدة السياسية». إنه عناق خانق، وما زال من غير الواضح مَن ستكون ضحيته، فهناك عدد من الاحتمالات، تبعاً للسيناريوهات والدوافع الحقيقية الكامنة وراء الرسالة.
نبدأ من الأساس: فمن حيث المبدأ، تنطبق صلاحية العفو التي يتمتع بها رئيس الدولة فقط على مَن تمت إدانته وصدر بحقه حكم قضائي. وهذه ليست ملاحظة إجرائية، بل ركيزة دستورية أساسية. فالمتهم الذي يخضع للمحاكمة، حتى لو كان اسمه بنيامين نتنياهو، يتمتع بقرينة البراءة، ولا يندرج في مجال العفو بعد؛ لقد شهد التاريخ الإسرائيلي استثناء واحداً معروفاً في قضية الحافلة رقم 300.
آنذاك، في تلك القضية، منح رئيس الدولة حاييم هرتسوغ كبار مسؤولي الشاباك عفواً مبكراً، وصادقت المحكمة العليا على الخطوة بأغلبية ضئيلة. حتى في تلك الحالة، أصرّ القاضي أهارون باراك على نص القانون، ورأى أنه لا يمكن تجاوُز مرحلة الإدانة، ووصف الحكم في القضية بأنه «استثناء نادر من نوعه،» أي إنه ليس نموذجاً يُحتذى به.
الآن، يوجد نموذجان مطروحان على النقاش العام: نموذج البروفيسور أهارون باراك الذي رسم لنتنياهو في خطاب علني مساراً سليماً قانونياً، لكنه صعب سياسياً، يقوم على الاعتراف، والتعبير عن الندم، والأهم من ذلك الانسحاب من الحياة السياسية، في مقابل تجنُّب العقوبة؛ هذه الصفقة تبعث برسالة واضحة، مفادها بأن النظام القضائي لا ينتقم، لكنه أيضاً لا يمحو الخطوط الحمراء وتدفيع ثمن شخصي.
من جهة ثانية، قدم ترامب مقترحاً آخر من واشنطن: لا اعتراف، لا ندم، ولا دفع ثمن سياسي ظاهر، لكن ربما يكون الثمن خفياً غير معلن. إن اقتراح الرئيس الأميركي ليس قانونياً، بل هو عرض للقوة السياسية.
يثير هذا العرض رفضاً شبه فوري، لأنه ينمّ عن تدخُّل خارجي فظ في قضية داخلية مشتعلة، ويتجاهل الأسس القانونية التي تستند إليها المنظومة الإسرائيلية، وهنا يكمن الخطر في التقارب الشخصي مع دونالد ترامب، فالعناق السياسي الذي يقدَّم كدرع حماية لإسرائيل قد يتحول إلى حبل يلتف حول عنق النظام نفسه، وبين هذين الطرفين يقف نتنياهو.
إن قضية الحافلة رقم 300 توحي بكيفية إمكان تطبيق عفو مشابه: اعتراف بالوقائع من دون اعتراف بالذنب، وفي ملفات نتنياهو، هناك وقائع ليست موضع خلاف (مثل الاتصالات بموقع «والا» وهدايا السيجار)، بينما يدور الجدل حول تفسيرها القانوني، وهذا يشكل أرضية خصبة لصوغ «معادلة عفوٍ مخففة»، إن وُجد مَن يوقّعها، وإذا وافقت عليها المحكمة العليا.
يواجه الرئيس يتسحاق هرتسوغ قرارات معقدة؛ فالقضية لا تتعلق بالجانب القانوني المحض فحسب، بل أيضاً بالأبعاد السياسية والدبلوماسية والجماهيرية. والسؤال: ماذا ستفعل المحكمة العليا إذا عُرضت أمامها قضية عفو مبكر، أو «مخفف»؟
وهناك اعتبار آخر لا يقلّ أهميةً، هو الرأي العام. فمَن شاهد الاحتجاجات في الشوارع خلال العام الماضي، يعرف أن الرأي العام لن يتقبل بسهولة صفقة تعيد نتنياهو إلى الساحة، من دون عقوبة قضائية، وقد يجعل المتظاهرون اليمينيون واليساريون، على حد سواء، من الرئيس والمحكمة العليا أهدافاً مباشرة للضغط.
إن هرتسوغ الذي بنى لنفسه صورة وسيط وشخصية فوق النزاعات، سيضطر إلى الاختيار: هل هو مستعد لدفع ثمن القرار؟ والذي قد يكون باهظاً للغاية، بالنسبة إليه شخصياً.

أبعاد دولية خفية

هل جاءت رسائل ترامب لهرتسوغ «من قلبه»؟ وهل يتصرف بعفوية، أم أن الخطوة منسّقة ما وراء الكواليس؟ من الصعب التصديق أن رسالة كهذه تصل من واشنطن إلى القدس من دون تنسيق مسبق. فمن المرجح أننا نشهد تهيئة للرأي العام، تمهيداً لطلبٍ مستقبلي على غرار «إسرائيل بحاجة إلى مصالحة وطنية».
لكن الغلاف الدبلوماسي لا يحلّ المأزق القانوني، وهنا تكمن الخطورة: عندما تأتي اليد التي توضع على الكتف من شخصية أميركية مهيمِنة بهذا الشكل، فإن استقلال المؤسسات الإسرائيلية فد يتحول إلى شعور بالالتزام السياسي.
إذا تقدم هذا المسار فعلاً، فسيُطلب من رئيس الدولة وقضاة المحكمة العليا البحث، ليس فقط في مسألة العفو، بل في مسألة أعمق: هل كان الهدف من المحاكمة إنهاء عهد نتنياهو، أو أصبح كذلك؟ وهل يجوز للدولة اختصار الطريق لتحقيق ما يُسمى بـ»إغلاق ملف وطني»؟
مَن يؤمن بسيادة القانون، يجب أن يحذر من الإجابات السهلة، ومن يسعى للوحدة، عليه تجنُّب الحلول الشعبوية السريعة.

المصدر: معاريف
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية