بيروت - لبنان

اخر الأخبار

صحافة أجنبية

19 كانون الثاني 2026 12:15ص من إعلام العدو: قطار ترامب إنطلق إلى غزّة دون نتنياهو.. ورغم أنفه!

حجم الخط
ليزا روزفسكي

في الليلة الفاصلة بين الجمعة والسبت، وفي توقيتٍ يعكس لا مبالاة كاملة إزاء إسرائيل، أو جدول أعمال رئيس وزرائها، نشر البيت الأبيض تشكيلة الهيئات التنفيذية لـ»مجلس السلام» الذي أنشأه، والذي من المفترض أن يتولى إدارة قطاع غزة. يوم أمس (السبت)، صدرت عن مكتب بنيامين نتنياهو ردة فعل استثنائية للغاية: فلأول مرة، وبصورة علنية، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي أن العلاقة بين موقفه وموقف صديقه وراعيه دونالد ترامب لا تشوبها التصدعات فحسب، بل أيضاً تفصل بينهما هوة عميقة،  إلى حدّ الاحتجاج الرسمي، العلني والصاخب، على تركيبة اللجنة الإدارية.
تضم هذه التركيبة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، وكذلك مستشار رئيس وزراء قطر علي الذوادي، الذي شهد العام الماضي إهانة نتنياهو في المكتب البيضاوي حين أجبر على الاعتذار أمام رئيسه محمد عبد الرحمن آل ثاني.
وبحسب مصادر مطّلعة على التفاصيل، كان نتنياهو مدركاً تماماً «الحبة المرّة» التي سيتعيّن عليه ابتلاعها، كما أن تركيبة اللجنة الإدارية نسّقت معه مسبقاً. علاوةً على ذلك، لم يكن من الصعب إدراك نية الولايات المتحدة بشأن إعلان الانتقال إلى المرحلة الثانية، ولا علاقات الإدارة الوثيقة بتركيا وقطر؛ لقد جرى إعلان هذا كله على الملأ، ولم يخف شيء. ومع ذلك، يبدو كأن خطوة البيت الأبيض أربكت نتنياهو وفاجأته، وهو غير مستعد، نفسياً وإعلامياً. وهي لحظة يبرز فيها غياب رون ديرمر عن ديوان رئاسة الحكومة، ذاك الذي كان يهمس في أذن البيت الأبيض.
في موازاة ذلك، تبين - حسبما سبق أن نشرت «هآرتس» - أن غزة ليست سوى حبة رمل، أو حجر الأساس، في البناء الهائل الذي يسعى ترامب لتشييده: ائتلاف من زعماء العالم يخضعون لإرادته ويتولّون معالجة المشكلات والصراعات في مختلف أنحاء العالم، لكن على طريقته. وحسبما لمّحت الوثيقة التي وزعت على القادة المدعوين بوضوح لافت، فإن هذه الطريقة تختلف جذرياً عن الأسلوب الذي أديرت به النزاعات والمشكلات العالمية حتى اليوم.
من الصعب الإنكار أن العقود الأخيرة، ولا سيما الأعوام الأربعة منذ الغزو الروسي لأوكرانيا، أثبتت تصدّع النظام العالمي القائم على القواعد التي وضعت بعد الحرب العالمية الثانية، وربما كلمة تصدّع ليست دقيقة بما يكفي؛ فهذا البناء الذي تعرّض لاهتزازات متكررة، بات اليوم أشبه بأطلال ما بعد قصف، التي بالكاد توفّر لبعض المشردين مأوى من العاصفة في الخارج، ومن الهزات المتلاحقة. إن ترامب، وبالتشاور مع مبعوثيه والمقرّبين منه، مصمم الآن على تسوية هذا البناء بالأرض نهائياً، وغزة ليست سوى مثال لذلك.
صحيح أن ميثاق «مجلس السلام» يتضمن بضع كلمات عن التزام القانون الدولي، لكن عندما نتحدث عن إدارة فرضت عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، وعلى قضاتها، يصبح واضحاً أن الأمر يتعدى كونه تعبيراً فارغاً  من المضمون، وليس حتى مجرد مجاملة لفظية. فالقانون الوحيد الذي يفترض أن يسود «مجلس السلام» هو إرادة رئيسه، دونالد ترامب.
السؤال المطروح الآن هو: من بين نحو ستين دولة دعي قادتها إلى الانضمام إلى المجلس - بحسب مصادر عديدة تحدثت لـ»هآرتس» - من سيوافق فعلياً؟ سيقف القادة أمام معضلة واضحة: إذا شاركوا في هذا المشروع، فسيكونون شركاء شخصياً في تدمير العالم القديم، وسيوافقون عملياً على إخضاع العالم الجديد لترامب ونزواته. كل قرار يصدر عن «مجلس السلام»، وحتى جدول أعماله، سيكون خاضعاً لموافقة رئيسه.
وبحسب الميثاق، يحقّ لترامب، إن شاء، إنشاء هيئات إضافية خاضعة للمجلس، وإن شاء إقالة أعضائه، أو تمديد ولاياتهم. وبصورة معلنة، سيكون المال مصدراً للنفوذ: من يتبرع بمليار دولار لحاجات المجلس، أو أكثر،  تمدّد عضويته تلقائياً.
إن مثل هذا المسار ينطوي على مخاطر كبيرة على صورة قادة الغرب؛ أمّا بالنسبة إلى دول «الجنوب العالمي» التي تتمتع، ولو شكلياً، بالمساواة مع الدول الكبرى داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة، فإن محاولة إقامة «أمم متحدة بديلة» تشبه نشر الغصن الذي تجلس عليه. يضاف إلى ذلك أن الولايات المتحدة دولة ديمقراطية، حتى الآن على الأقل، وبحسب دستورها، يتعين على الرئيس التنحي بعد ولايتين. فما قيمة «مجلس السلام» الميغالو-هوسي الذي يؤسسه ترامب، بعد أن يتوقف عن قيادة أقوى دولة في العالم؟
في المقابل، من المرجّح أن هناك دولاً لن ترغب، أو لن تستطيع رفض عرض ترامب، ومن بينها الدول الثلاث الوسيطة والضامنة للاتفاق بين إسرائيل و»حماس»: تركيا وقطر ومصر، كلٌّ لأسبابه، لكن أساساً لأن كلاً منها لا ترغب في التنازل عن أقصى قدر من النفوذ في غزة، والصراع في الشرق الأوسط. ممثلو هذه الدول، إلى جانب ممثل دولة الإمارات، يجلسون فعلاً في الهيئة التنفيذية الخاصة بغزة، لكن ليس مؤكداً  أن ذلك سيكون كافياً. في المقابل، تطرح تقديرات تفيد بأن السعودية، التي أعلن ترامب أن وليّ عهدها محمد بن سلمان سيكون أول عضو محتمل في المجلس، ربما تختار التخلّي عن هذا الشرف.
حتى لحظة كتابة هذه السطور، لم يتضح ما إذا كانت وجِّهت الدعوة إلى فرنسا أصلاً؛ أمّا بريطانيا، فبحسب عدد من المصادر، تلقت دعوة، ووفق تقرير نشرته صحيفة «تايمز» قبل أيام، يعتزم رئيس وزرائها كير ستارمر الانضمام؛ كذلك تشير مصادر إلى أن ترامب لم يتردد في دعوة قادة دولٍ لا تعتبر مؤثرة، مثل السلفادور وباراغواي؛ أمّا من لم يدع حتى الآن، فهو نتنياهو.

المصدر: هآرتس
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية