بيروت - لبنان

اخر الأخبار

3 شباط 2026 12:15ص أميركا وإيران: رقص دائم على حافة الهاوية

حجم الخط
د. محمد موسى

منذ أكثر من ثلاثة عقود، تحكم العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران معادلة ثابتة تتبدّل أدواتها ولا يتغيّر جوهرها: صراع بلا حرب شاملة، وتصعيد محسوب يتوقف دائماً قبل السقوط في الهاوية. إنها علاقة لا تُدار بمنطق الحسم، بل بمنطق «إدارة الخطر»، حيث يختبر الطرفان حدود القوة والردع، ثم يتراجعان في اللحظة الأخيرة ليتركا باب التسوية موارباً.
هذه المعادلة لم تكن وليدة لحظة عابرة، بل تشكّلت وتكرّست منذ التسعينيات، وتحديداً منذ إدارة بيل كلينتون، التي تعاملت مع إيران بوصفها «خصماً إشكالياً» لا عدواً وجودياً. فسياسة الاحتواء المزدوج التي انتهجتها واشنطن آنذاك تجاه العراق وإيران لم تهدف إلى إسقاط النظام الإيراني، بل إلى تطويقه ومنعه من التحوّل إلى قوة مهيمنة إقليمياً، مع إبقاء قنوات الاتصال الخلفية مفتوحة. حتى في ذروة العقوبات، لم تنقطع لغة الإشارات المتبادلة، وكان واضحاً أن الطرفين يدركان كلفة الانفجار الشامل.
مع وصول جورج بوش الابن، بدا للوهلة الأولى أن واشنطن قررت كسر هذه القاعدة. خطاب «محور الشر» بعد أحداث 11 أيلول وضع إيران في خانة العدو، لكن الوقائع الميدانية سرعان ما فرضت نفسها. فالغزو الأميركي لأفغانستان ثم العراق خلق مفارقة استراتيجية: الولايات المتحدة أطاحت خصمين تاريخيين لطهران، وفتحت أمامها المجال لتوسيع نفوذها الإقليمي. ورغم التصعيد الخطابي، جرى تعاون غير مباشر في أفغانستان، ثم تفاهمات ضمنية في العراق، ما أعاد تثبيت منطق الرقص على الحافة: تهديد في العلن، وتنسيق محدود في الخفاء.
التحوّل الأبرز جاء مع إدارة باراك أوباما، التي قرأت التجربة السابقة بواقعية أكبر. الاتفاق النووي لم يكن تعبيراً عن ثقة متبادلة، بل عن اعتراف متبادل باستحالة الإلغاء الكامل للطرف الآخر. أوباما لم يسعَ إلى «تطبيع» العلاقة مع إيران، بل إلى ضبطها، وإدخالها في إطار يمكن التنبؤ به. في المقابل، تعاملت طهران مع الاتفاق كهدنة استراتيجية، لا كنهاية للصراع، فاستمرت في تعزيز نفوذها الإقليمي مع الالتزام النسبي بسقوف الاتفاق.
هنا تحديداً تتجلّى فلسفة الرقص على حافة الهاوية: تنازلات تكتيكية مقابل مكاسب استراتيجية، وتصعيد محسوب لا يكسر الخطوط الحمراء. لكن هذه المعادلة تلقّت ضربة عنيفة مع وصول دونالد ترامب في ولايته الأولى، حين قرر الانسحاب الأحادي من الاتفاق النووي. ظاهرياً، بدا القرار كقطع نهائي مع منطق التسويات، لكن عملياً لم يخرج عن القاعدة نفسها. فسياسة «الضغط الأقصى» لم تترافق مع رغبة فعلية في الحرب، بل كانت محاولة لفرض شروط أفضل من موقع القوة، فيما ردّت إيران بتصعيد تدريجي ومدروس، من دون الذهاب إلى مواجهة مباشرة.
اغتيال قاسم سليماني شكّل لحظة ذروة في هذه الرقصة الخطرة. العالم حبس أنفاسه، لكن الرد الإيراني جاء مضبوطاً، محسوباً، ومحمّلاً برسائل أكثر مما هو محمّل بالدم. مرة أخرى، اقترب الطرفان من الهاوية، ثم تراجعا خطوة إلى الوراء. فإدارة جو بايدن حاولت العودة إلى منطق الضبط، لكنها ورثت واقعاً أكثر تعقيداً: إيران أقرب إلى العتبة النووية، والمنطقة أكثر تفجّراً، والثقة شبه معدومة. ومع ذلك، استمر النمط نفسه: مفاوضات غير مباشرة، تفاهمات جزئية، وتصعيد موضعي لا ينفلت.
ثم جاء السابع من تشرين الأول، ليشكّل نقطة تحوّل كبرى في الإقليم. الحرب في غزة، واتساع الاشتباك إلى أكثر من ساحة، أعادا طرح السؤال القديم - الجديد: هل نحن أمام انهيار قواعد الاشتباك؟ أم أمام فصل جديد من لعبة الحافة؟ رغم كل ما جرى، بقيت المواجهة بين واشنطن وطهران غير مباشرة. رسائل متبادلة، ضربات محسوبة، وضبط للإيقاع يمنع الانزلاق إلى حرب شاملة. حتى مع عودة ترامب إلى ولايته الثانية، بكل ما تحمله من اندفاعية وخطاب تصعيدي، لم تُكسر القاعدة الجوهرية: التهديد بالتصعيد كأداة تفاوض، لا كخيار نهائي.
هنا يمكن القول إن الولايات المتحدة وإيران، على اختلاف أنظمتهما ورؤاهما، تتشابهان في أمر أساسي: كلاهما يدرك أن الحرب الشاملة ليست خياراً عقلانياً، وأن كلفتها تتجاوز أي مكسب محتمل. لذلك، يفضّلان دائماً الرقص على الحافة، اختبار الأعصاب، ورفع السقوف، ثم إنتاج المخارج في اللحظات الحرجة.
السؤال اليوم ليس ما إذا كنا أمام رقصة جديدة، بل ما إذا كانت هذه الرقصة ستنتهي بتسوية مؤقتة أخرى، أم أننا أمام لحظة تاريخية استثنائية تكسر القاعدة. حتى الآن، كل المؤشرات تقول إن منطق «صناعة المخارج» ما زال حاضراً، وإن ما كُتب لم يُكتب بالكامل بعد. فالتاريخ بين واشنطن وطهران يعلّمنا أن الهاوية تُستخدم للضغط، لا للسقوط… وأن أخطر لحظات التصعيد كانت دائماً مقدمة لتفاهمات غير معلنة، لا لنهايات كبرى.
في هذا المعنى، ليست العلاقة الأميركية - الإيرانية قصة عداوة مطلقة، ولا مسار تصالح محتوم، بل رقصة طويلة على حافة النار، يتقن الطرفان خطواتها جيداً، حتى إشعار اخر و لكن دائما» حذاري الإسرائيلي؟!!!!!