بيروت - لبنان

اخر الأخبار

13 آذار 2026 12:10ص أيّها اللبنانيون استعدّوا لحرب طويلة مُضنيَة

حجم الخط
تشهدُ منطقةُ الشرق الأوسط في هذه المرحلة واحدةً من أكثر اللحظات الجيوسياسية حساسيةً منذ عقود. فالحربُ الدائرةُ بين الولايات المُتحدة وإسرائيل من جهةٍ وإيران ومن خلفها محورُ المُمانعة من جهةٍ أخرى لم تعُد مُجرد مواجهةٍ محدودةٍ أو أعمالٍ قتاليةٍ مُنفردةٍ كما كانت طوال العُقود الثلاثة الماضية، بل أخذت طابعاً تصعيديًا واسعاً يطالُ بُنية التوازُنات الإقليمية بأكملها. ومع انتقال العمليات العسكرية إلى عُمق الأراضي الإيرانية، وامتداد الرُدود الإيرانية إلى مسارح مُتعددةٍ في المنطقة بغرض خلط الأوراق، بات واضحاً أن الصراع تجاوز حُدود المُواجهة التقليدية والمعارك المحدودة ليُدخل منطقة الشرق الأوسط في حربٍ إقليميةٍ مفتوحةٍ قد تطولُ وتتشعبُ نتائجُها.
وبدا واضحاً منذ اللحظات الأولى لإطلاق الجولة الثانية من الحرب على إيران، وبعد مُرور قرابة سبعة أشهر على المعركة الأولى التي استمرت اثني عشر يوماً، أن العمليات العسكرية توسعت لتشمُل نطاقاً أوسع من الأهداف العسكرية المُجردة، وأخذت أبعاداً استراتيجيةً نتيجة عدم اقتصار الاستهدافات على تقويض الدفاعات الجوية ومنصات إطلاق الصواريخ وأماكن تحزينها، بل طالت بنى تحتيةً استراتيجيةً حساسة داخل الأراضي الإيرانية، وتركزت على استهداف القيادات السياسية والعسكرية والأمنية ومراكز الصناعات العسكرية. كُلُ ذلك يُشكلُ تطوُراً بالغ الخُطورة بعد أن اقترن بالإفصاح عن نوايا إسقاط النظام، وهذا يعني أننا على مشارف مرحلةٍ جديدةٍ من عدم الاستقرار ليس فقط داخل إيران ولكن المنطقة بأسرها.
في المقابل، لم تقتصر رُدودُ إيران على الدفاع داخل أراضيها واستهداف إسرائيل ومواجهة الأساطيل الأميركية، إنما طال كامل جُغرافيا الدُول الخليجية وبلاد الشام. حيث طالت سلسلةُ الهجمات الإيرانية بواسطة الصواريخ أو بالطائرات المُسيرة مواقع مُتعددة، لم تقتصر على القواعد العسكرية الأميركية إنما مرافق حيويةٍ حساسةٍ بالنسبة لدُول المنطقة، كالمرافق النفطية والمطارات ومحطات تحلية المياه والأبراج السكنية والمناطق السياحية. ولم تنجح إسرائيلُ بدورها في إسقاط أسراب الصواريخ البالستية والفرط صوتية والمُسيرات المُتوجهة إلى مُدُنها وبعض المراكز الاستراتيجية فيها.
ورغم التصريحات التي صدرت مؤخراً عن الرئيس الأميركي حول اقتراب نهاية الحرب لأنه تم القضاء على مُعظم القُدرات العسكرية الإيرانية بما في ذلك أُسطولُها البحري ومخزونُها من الصواريخ والمواد النفطية، وتأكيده على تراجُع قُدُراتها على إطلاق الصواريخ، فإن الوقائع الميدانية تُشيرُ إلى أن إيران المُحاصرة لم تزل قادرةً على توجيه هجماتٍ صاروخيةٍ تتميزُ بقُدُراتٍ تدميريةٍ عاليةٍ وبمدياتٍ بعيدة، وتُنسُق صلياتها الصاروخية مع حزب الله، وهي ضربات مؤلمة لإسرائيل، وهذا ما يوحي بأن البُنية العسكرية الإيرانية وإن ضعُفت إلا أنها لم تُشل بالكامل، وأن إيران ما تزالُ قادرةً على إطالة أمد المُواجهة واستنزاف أعدائها ومن ترى فيهم خُصوماً لها.
وفي المقابل، لا يُخفى على المُتابعين والمُحللين أن الاستراتيجية الأميركية - الإسرائيلية مُركزة على إضعاف بُنية النظام الإيراني من الداخل، وليس الاكتفاء بتدمير قُدراته العسكرية. ويُستدلُ على ذلك من توسيع دائرة الاستهدافات بحيث شملت الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الداخلية، من ذلك مراكزُ الشُرطة والباسيج وغيرهم على امتداد المُدُن الإيرانية الرئيسية. كُلُ هذا يهدُفُ إلى ضرب أدوات السيطرة الداخلية للنظام القائم، وتهيئة الظُروف المناسبة لتحرُكاتٍ شعبيةٍ مُعارضةٍ قادرةٍ على زعزعة استقرار النظام تمهيداً لإسقاطه.
لم تقتصر هذه الحربُ الواسعةُ على الساحتين الإيرانية والإسرائيلية، بل امتدت مُجدداً لجبهاتٍ إقليميةٍ تتحكمُ إيرانُ بمن يديرها، والذين يُشارُ إليهم بأدوات محور المُمانعة. وتتقدمُ الجبهةُ على الحُدود اللبنانية - الفلسطينية على باقي تلك الجبهات باعتبارها أكثرُها خُطورةً على إسرائيل، نظراً لطبيعة التداخُل الجُغرافي ولإمكانية استعمال صواريخ قصيرة المدى لإشغال الدفاعات الجوية الإسرائيلية وراداراتها عن الصواريخ الإيرانية.
لقد تذرع أمينُ عام حزب الله باغتيال المُرشد الأعلى في إيران، ليُعلن انخراطهُ في الحرب دعماً لإيران والبدء باستئناف إطلاق الصواريخ والعمليات العسكرية ضُد قوات الجيش الإسرائيلي التي لم تُخلي بعض المواقع في جنوب لبنان، ويبدو أن الحزب ما زال قادراً على إطلاق صواريخٍ تطالُ العُمق الإسرائيلي وصولاً إلى تل أبيب.
إسرائيل، بدورها، لم توقف اعتداءاتها طوال فترة ال الخمسة عشر شهراً التي تلت إبرام الاتفاق مع لبنان، رأت الفُرصة سانحةً لتوسيع نطاق استهدافاتها، مُعتمدةً قوائم أهدافٍ جديدةٍ طالت منطقتي الجنوب والبقاع بالإضافة إلى الضاحية الجنوبية لبيروت. والجديدُ في الأمر تبنيها لسياسةٍ تهجيريةٍ، بتوجيهها الإنذارات إلى سُكان المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني لإخلاء قُراهم ومنازلهم، كما فعلت الأمر ذاتهُ بالنسبة لعددٍ كبيرٍ من قُرى البقاع الشمالي وبعض أحياء الضاحية، وكأنها راغبة في زيادة الضغط على لبنان لتقليب الرأي العام ضُد الحزب. 
وقعت هذه التطوراتُ الإقليميةُ والمحليةُ في سياقٍ واقعٍ لُبناني هشٍ وشديد التعقيد. خاصةً وأنه سبق لرئيس الجمهورية وأعلن «تنظيف منطقة جنوب الليطاني من الأسلحة غير النظامية»، كما اتخذت الحُكومةُ اللبنانيةُ قراراً قضى بحصر السلاح بيد الدولة وأجهزتها النظامية، وردت على استئناف إطلاق الصواريخ أشدٍ قضى بحظر أي نشاطٍ عسكريٍ لحزب الله. إلا أن قيادة الحزب سُرعان ما جاهرت برفضها الامتثال لقرارات الحُكومةٍ معتبرةً إياها وكأنها لم تكن، مُصرةً على تصعيد المُواجهة، الأمرُ الذي وضع الدولة اللبنانية في موقعٍ بالغ الحرج وأظهرها عاجزةً عن فرض سيادتها على أراضيها.
إظهارُ الدولة اللبنانية بموقع القاصر والمُقصر سهل على إسرائيل استغلال الوضع لنيل موافقةٍ أميركيةٍ مُسبقةٍ لإطلاق يدها في حربها على حزب الله وتوسيع نطاق عملياتها العسكرية في لبنان. وهذا ما شجعها على رفع وتيرة اعتداءاتها وتوسيع دائرة الأهداف للنيل من مرافقٍ حيويةٍ مُرتبطةٍ بالبُنية التنظيمية والمالية الاجتماعية للحزب، كالقرض الحسن وغيرها. وركزت في استهدافاتها على البوارج الحربية بالإضافة إلى المُسيرات لانشغال سلاحها الجوي في عملياته داخل الأراضي الإيرانية. وكانت قد أعدت فرقتين مُدرعتين لتولي مهام جبهتها الشمالية لمُشاغلة حزب الله. وأطلقت تحذيراتٍ صريحة أنها لن توقف الحرب على الجبهة اللبنانية إلا بعد القضاء على حزب الله، وإن اقتضى الأمرُ اجتياح أراضٍ لبنانية، وأخذت تروجُ لهذا السيناريو بدعوة سكان القرى الجنوبية الواقعة جنوب مجرة الليطاني لمغادر قراهم وعدم العودة إليها، وأخذ بعضُ قادتها يلوحون باجتياح البقاع للوصول إلى الأنفاق التي يُخزنُ الحزبُ صواريخهُ الثقيلة فيها. 
إن مسألة النُزوح تشكلُ بالنسبة للدولة اللبنانية مُعضلة كبيرة، حيث تُشيرُ التقديراتُ إلى أن عدد النازحين اقترب من مليون نازح وقابل للإزدياد، وهو رقم هائل بالنسبة لبلدٍ يُعاني أصلاً من أزماتٍ اقتصاديةٍ وماليةٍ ومعيشيةٍ خانقة. كما أن استمرار النُزوح لفترةٍ طويلة، يُشكلُ تحديًا أمنيًا ولوجستيًا واقتصاديًا وتربويًا للبنان، نظراً لمحدودية الإمكانات، وأن طول فترة الاحتكاك ما بين النازحين وأهالي المناطق المُضيفة قد يتسببب بتوترات أمنيةٍ واضطراباتٍ اجتماعيةٍ بسبب ضعف مستوى التقديمات، في ظل تبايُنٍ في المواقف حيال انخراط حزب الله في معركة غير متكافئة خدمةً لإملاءاتٍ إيرانيةٍ بحتة.
وما يزيدُ في الأمر تعقيداً، إحراجُ حزب الله للمسؤولين اللبنانيين، وضرب مصداقيتهم تجاه المجتمع الدولي، وخاصةً بعد أن أكدوا خُلُو منطقة جنوب الليطاني من سلاح حزب الله، إلا أن انخراط الحزب مُجدداً في المواجهة كشف خلاف ذلك، وبخاصةٍ وجودُ مُقاتلين لحزب الله في تلك المنطقة، وقد وصل الأمرُ إلى حد رفض إسرائيل لأية مُبادرات تقومُ على تبني مخارج دبلوماسيةٍ للنزاع حتى ولو عبر مُفاوضاتٍ مُباشرة كانت تسعى إليها.
كُلُ هذه المُؤشرات تدفعُنا إلى استنتاجٍ مُقلقٍ مفادُهُ أن الحرب الدائرة في المنطقة قد لا تكونُ قصيرةُ الأمد كما يوحي البعض، وأن الغرض منها تضليل الأعداء. من هنا تبرزُ الحاجةُ المُلحةُ إلى مُقاربةٍ واقعيةٍ للتطورات الجارية، واتخاذ الاحتياطات اللازمة للتعامُل مع حربٍ طويلةٍ بما يتطلبهُ ذلك من استعدادٍ لمُختلف الاحتمالات، والتعامُل مع المُستجدات بوعي استراتيجي يتجاوزُ الحسابات الضيقة، صوناً لما تبقى من وحدتنا الوطنية وحفاظاً على السلم الأهلي.
وسيجدُ اللبنانيون أنفُسهُم في خضم مواجهةٍ طويلةٍ ومُكلفة، حتى في حال توقُف الحرب المُباشرة بين إسرائيل وإيران. فإسرائيلُ قد ترى في انتهاء تلك الحرب فرصتها للتفرُغ لجبهة لبنان لتصفية حساباتها مع حزب الله وستشنُ حربها تحت شعار «إنهاء التهديد على الجبهة الشمالية».
إن القراءة الواقعية للتطورات الإقليمية تقودُنا إلى خلاصة واضحةٍ، اوجبُ العمل على وضع خُطط طوارئ شاملةٍ ومرنةٍ لاستيعاب تداعيات الحرب وتبعات النُزوح للحد من المخاطر. وعلى القوى السياسية المُتناحرة أن تضع خلافاتها جانباً، وتناسي انقساماتها لكون البلاد برمتها عُرضةً لمخاطرٍ وجودية.