في اللحظات التاريخية غير المسبوقة، يكاد لبنان على مستوى السلطات الدستورية وعلى مستوى الأطراف كافة، بما فيها «الثنائي الشيعي» يقترب من التسليم أن صفحةً من ارتباط لبنان بمحاور الصراعات في الشرق الأوسط بوصفه ميدان النزاعات الكبرى على الثروات والنفوذ والسيطرة على أراضي الغير، قد شارفت على نهاية تجعل من قرار الحرب والسلم بيد الدولة، على مستوى السلطات التنفيذية وسواها، وعبر قرارات مجلس الوزراء، ومجلس الدفاع الأعلى.
شكلت الضربات -الجوية الأميركية - الإسرائيلية على إيران، والاستهداف المبكر لمجمع الولي الفقيه أو المرجع - القائد أو مرشد الثورة السيد علي الخامنئي، بداية مسار بالغ الخطورة والصعوبة، لا سيما بعد نعي الرئاسة الايرانية للمرشد - الشهيد، وقادة وجنرالات عسكريين، من رئيس الأركان، الى رئيس الأمن القومي، وقائد الحرس الثوري وغيرهم، سقطوا معه في الضربات المبكرة التي أدت الى تدمير المبنى بكامله، وفي طبقاته تحت الأرض، بعدما سبق رئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتنياهو إليه من أن المرشد قد قضى في الغارة المشتركة التي نفذتها وخططت لها الاستخبارات الأميركية (C.I.A) وجهاز الموساد والشين بيت. والتي ارتبط موعدها بمعرفة توقيت الاجتماع ومكانه، فجاءت الغارات، المخطط لها سابقاً، وكان ما كان من أم الخسائر الكبرى التي تعرض لها الجسم الإيراني بتصفية الرأس (أي القائد) وفصل القوة القيادية العسكرية عن جسم سائر السلطات من رئاسة وجيش وحرس ثوري وباسيج وغيرها.
وفقاً لعقيدة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الخداع سواء في السياسة أو الحرب، مات الخامنئي، بصرف النظر عن مسارات أخرى، لها صلة باستكمال المشروع اليهودي - البروتستنتي بوضع اليد كاملة على سائر المقدرات في الشرق الاوسط، ودفن «المحور الممانع» أو المحور الإيراني بقتل رئيسه أو قائده أو مرشد (لا معنى للتسمية بعد) في خطوة كانت من بين آخر خطوات تصفية الفريق الإيراني - الفلسطيني (حماس) واللبناني (حزب االله)، الذي خطط لحرب «طوفان الأقصى»، وما تلاها من حروب ومعارك منذ السابع من تشرين الاول عام 2023 الى يوم أمس 28 شباط ، 11 رمضان حيث قضى المرشد في الاستهداف المعادي مع مجموعة من كبار معاونيه الأمنيين والعسكريين..
من التصفيات الخطيرة التي نفذها حلف ترامب - نتيناهو قتل قادة حماس من رئيس المكتب السياسي اسماعيل هنية الى رئيس المكتب السياسي بعده يحيى السنوار، وقادة آخرين فضلاً عن مئات أو ألوف المقاتلين من الفصائل الفلسطينية المقاومة وصولاً الى اغتيال الأمينين العامَّين لحزب االله: السيد حسن نصر الله والسيد هاشم صفي الدين، وقادة عسكريين مخضرمين في الحزب فضلاً عن التصفيات وتفكيك جزء غير يسير من القدرات العسكرية واللوجستية الى آخر ما يمكن مشاهدته على أرض الواقع..
انغمست «حماس» بعد تدمير غزة في رحلة مجلس السلام الذي يرأسه ترامب شخصياً، وانهمك حزب الله في مواجهة ما يمكن وصفه مرحلة «حصر السلاح» من جنوب نهر الليطاني الى كافة المناطق اللبنانية..
وتُركت إيران لقدرها، بعد خروج العراق من الحروب أو الحرب وبعد سقوط نظام بشار الأسد، «سقوطاً مريعاً» وانشغال حركة أنصار الله (جماعة الحوثيين) شمال اليمن بترتيبات تخص بلادهم، بعدما شاركوا في حرب الإسناد، وانتهى الأمر بإلحاق خسائر عسكرية وبشرية وتدميرية بوضعهم «الضعيف» أصلاً..
من المؤكد أن الإنشغالات الإيرانية تتعدى المواجهة مع الحلف الأميركي - الإسرائيلي الى تثبيت وضعية النظام في إيران، وذلك بملء الفراغ الذي أحدثه غياب المرشد، وهو القائد والمرجع بعد الإمام الخميني، والذي يملأه اليوم بصورة مؤقتة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان.. بانتظار أن يتمكن الخبراء من تقديم مرشد ثابت لقيادة الجمهورية.. فإذا وجدوا مرجعاً واحداً يملك امتيازاً خاصاً للقيادة فإنهم يعرفونه للشعب باعتباره قائداً، وإلا فإنهم يعينون ثلاثة أو خمسة مراجع من جامعي شرائط القيادة ويعرفونهم الى الشعب باعتبارهم أعضاء المجلس القيادة (المادة 7 بعد المائة من الدستور الإيراني)...
إيران بين الضربات وترتيبات الدفن والسلطة البديلة، تمضي في استهداف اسرائيل والقواعد الأميركية، بانتظار مواعيد أخرى للمفاوضات، وهذا مستبعد في المدى المنظور أو المتوسط، تاركة للمنظمات والدول التي تدور في فلكها أو دارت حرية القرار، فهي ليست بحاجة لمن«يدافع عنها»!.
من الزاوية هذه، يخرج لبنان من دائرة الحرب، من دون التماس أي وجهة علمية، ما خلا الحفاظ على الإستقرار وعلى حركة المطار وعلى حماية اللبنانيين، بانتظار تثبيت الانفصال عن فصول الحروب في المنطقة الآخذة بالترنح، وتثبيت مرتكزات نظام ترامب - نتنياهو، ومصير نظام الولاية في إيران!