بشار قوتلي*
ارتبطت الإفطارات الرمضانية في بيروت بتاريخٍ مؤسسي يمتد إلى أكثر من قرن، مع نشأة دار الأيتام الإسلامية عام 1917. فمنذ بداياتها، لم تحصر الدار رسالتها في توفير الرعاية الشاملة، بل سعت إلى الإسهام في بناء وعيٍ اجتماعي يقوم على التعاون والتضامن وتحمّل المسؤولية الجماعية. ومع تطوّرها من ميتم صغير إلى مؤسسة وطنية ذات منفعة عامة تشمل خدماتها مختلف المناطق اللبنانية، برزت الإفطارات الرمضانية الجامعة كأحد وجوه حضورها المجتمعي المبكر، حيث تحوّلت المائدة الرمضانية إلى مساحة تواصل وحوار تعكس روح الترابط الأهلي وتؤكد دور المؤسسات في تعزيز القيم المشتركة داخل العاصمة بيروت.
عام 1934 شكّل محطة مفصلية؛ إذ نظّمت الدار «وليمة اليتيم» في قاعة المنتدى (التي عُرفت لاحقاً باسم قاعة دولة الرئيس الراحل رشيد كرامي)، بحضور شخصيات دينية وسياسية واجتماعية بارزة (الصورة المرفقة). لم يكن الحدث مناسبة بروتوكولية، بل لحظة تأسيس لفضاءٍ اجتماعي جديد، اجتمعت فيه المرجعيات الدينية والسياسية والنخب البيروتية حول مائدة واحدة، في صورة تختصر فكرة التضامن الأهلي قبل أن يتحوّل إلى مفهومٍ متداول في أدبيات العمل الاجتماعي.
وتُوثّق سجلات عام 1937 حضور شخصيات بارزة من بينها الأمير شكيب أرسلان الذي ألقى فيها خطبة تحدث فيها عن معاني الإحسان عند العرب وهذا ما يميّزهم عن الغربيين، فيما وصفت الصحافة البيروتية آنذاك المناسبة بأنها من أوسع حفلات الإفطار تنظيماً وحضوراً في المدينة. وكتبت جريدة «النهار»: «قلما شاهدت بيروت حفلة إفطار جامعة كالوليمة التي أقامتها دار الأيتام الإسلامية»، في دلالة واضحة على أثر الحدث وريادته الاجتماعية.
في سبعينات القرن الماضي، خرج الإفطار من إطار المؤسسات إلى الفضاء العام، فشهدت بيروت إفطاراً حضره أكثر من 450 شخصية رسمية وعامة، في خطوة عكست انتقال الدار من موقع الرعاية إلى موقع التأثير في الحياة الوطنية. وحتى في ثمانينات الحرب، لم ينقطع هذا التقليد؛ ففي عام 1984 جلس رئيس الحكومة آنذاك المرحوم رشيد كرامي بين أطفال الدار في إفطار اليوم الأول من رمضان، في مشهدٍ حمل رمزية أخلاقية عميقة: الدولة إلى جانب اليتيم، والمسؤولية العامة متجسدة في فعلٍ بسيط هو الجلوس إلى مائدة واحدة.
مع تنامي الحضور المجتمعي للمؤسسات، خرجت الإفطارات من إطارها البيروتي لتلامس أولاً المدن اللبنانية، ثم تمتد إلى عواصم الاغتراب، حيث أُقيمت لقاءات رمضانية في باريس ولندن وجنيف، قبل أن تتوسّع داخل لبنان لتشمل البقاع والإقليم وعكار والعرقوب والضنية. وبهذا الامتداد الجغرافي، تبدّل معنى الإفطار من مناسبة موسمية إلى جسر تواصل يربط الداخل بالانتشار، ويصل بين العمل الرعائي ومسارات التنمية، ويعزّز تفاعل المؤسسة مع محيطها الاجتماعي.
ومع هذا التحوّل، غدت المائدة الرمضانية إطاراً جامعاً يعكس قيم الانفتاح وروح المبادرة التي أرستها الدار في المجتمع اللبناني.
وفي رمضان 2026، تستمر الدار في هذا المسار تحت شعار «اجعل لعطائك أثر»، عبر سلسلة إفطارات مركزية ومناطقية في البقاع (28 شباط)، الإقليم (1 آذار)، بيروت (3 و4 آذار)، عكار (7 آذار)، والبقاع الأوسط (13 آذار).
أخيراً، ان الأثر الحقيقي لا يُقاس بعدد المدعوين أو الموائد، بل بقدرتها على إبقاء فكرة التضامن حيّة في الوعي العام، في زمن تتآكل فيه الروابط الاجتماعية.
* المدير العام