بيروت - لبنان

اخر الأخبار

3 كانون الثاني 2026 10:44م الاستراتيجية العارية.. سر إنهيار الدول على الطريقة الأميركية!

حجم الخط

ليست الحروب الحديثة دبابات فقط، ولا الانقلابات طائرات تحلّق فوق القصور الرئاسية، في الاستراتيجية الأميركية المعاصرة تسقط الدول أولا من الداخل، ثم تُحاصر اقتصاديا، ثم تُدان أخلاقيا، قبل أن تُستباح سياسيا وعسكريا.

ما جرى في سوريا والعراق وليبيا، وما يتكشّف اليوم في فنزويلا، ليس حوادث منفصلة، بل فصول من كتاب واحد عنوانه تفكيك الدولة قبل السيطرة على ثرواتها، إنها استراتيجية أميركية قديمة الطراز لكنها عارية من أي شعارات أخلاقية، وفيها الكثير من الأدوات الثابتة في خطة واشنطن لإعادة رسم الخرائط السياسية، ثم تُعاد صياغة الديمقراطية على مقاس الشركات الكبرى والهيمنة الأميركية.

النموذج يتكرر والأدوات واحدة

السيناريو معروف، لا يحتاج إلى عبقرية يبدأ بالعقوبات الخانقة تشلّ الدولة وتُفقِر الطبقة الوسطى، تحريض داخلي تحت عناوين حقوق الإنسان والديمقراطية، شيطنة القيادة واطلاق الصفات التي تدغدغ شعور المواطنين ومنظمات حقوق الانسان ومنها: ديكتاتور، إرهابي، تاجر مخدرات، وعند هذه النقطة يصبح التدخل"ضرورة أخلاقية"، وتتحول السيادة إلى عبء، والدولة إلى "ملف"، والضربة الأخيرة تكون تدخل عسكري أو تغيير قسري، وأخيراً شركات النفط.

جرّبوا هذه الوصفة في العراق حيث فُتحت أبواب بغداد بعد حصار دمّر المجتمع قبل الجيش، وهكذا سُحقت ليبيا تحت شعار "حماية المدنيين"، لتتحوّل إلى مخزن نفط بلا دولة، وهكذا أُنهكت سوريا أحد عشر عاما إلى أن جاءت اللحظة الاستراتيجية المناسبة.

حين لا يُهزم النظام يُستبدَل

في 8 كانون الأول 2024، انتهى 54 عاما من حكم عائلة الأسد، لم يكن السقوط نتيجة ضربة واحدة، بل نتيجة تراكم طويل من الاستنزاف وبعد أن فشلت واشنطن وحلفاؤها في إسقاط النظام بالقوة لجأت إلى خيار أكثر دهاء الا وهو إنتاج البديل.

تمّ تدريب الخصم على القتال ثم تلميعه للحكم هكذا أُعيدت صياغة الصورة من "عدو" إلى "منقذ"، ومن "نظام مقاوم" إلى "رمز للدمار". لم يكن ذلك انتصارا عسكريا بل انتصار سردية.

فنزويلا مثلث الخطر

ما حدث في فنزويلا يتجاوز كونه عملية عسكرية خاطفة، هو إعلان صريح عن عودة منطق الإمبراطوريات نصف ساعة كانت كافية، بحسب الرواية الأميركية لشلّ الدولة واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته، بعملية نُسبت إلى قوة "دلتا" النخبوية.

فعندما تُستنزف الدولة وتُعزل دوليا وتُكسر اقتصاديا تأتي المرحلة الأخيرة الا وهي الشيطنة القانونية، لذلك تم اتهام مادورو بإدارة "دولة مخدرات"، ووصمه بالإرهاب، يذكّر تماما باتهام نورييغا، وصدام حسين، وحتى القذافي في مراحله الأخيرة، لأن القانون هنا لا يُستخدم لتحقيق العدالة، بل لتوفير غطاء سياسي وأخلاقي للهيمنة.

يا لها من مصادفة مدهشة، بلد يملك 300 مليار برميل نفط، يقع قرب السواحل الأميركية، ويُغازل الصين وروسيا وفجأة يصبح "دولة مخدرات".

والأكثر سخرية أن الإدارة الأميركية نفسها، التي لم تستطع تنظيف شوارعها من الفنتانيل والكوكايين، تُصدر لوائح اتهام أخلاقية للعالم وكأن البيت الأبيض تحول فجأة إلى دير للرهبان.

ورغم ان اميركا هي أكبر سوق مخدرات في العالم وأكبر مغذ لعصابات التهريب، لكنها بارعة في لعب دور القاضي طالما أن المتهم يجلس فوق آبار النفط.

وهنا يأتي خطاب دونالد ترامب بلا مواربة سندير فنزويلا وسنسمح لشركات النفط الأميركية باستغلال احتياطياتها.

هنا تسقط كل الأقنعة فنزويلا تمتلك قرابة 20% من الاحتياطي النفطي العالمي، وتقع على بوابة الكاريبي وعلى مرمى جغرافي قريب من الولايات المتحدة وفي قلب صراع النفوذ مع الصين وروسيا، إنها ليست دولة هامشية بل عقدة مصالح كبرى ولهذا لا تُترك وشأنها.

من التالي بعد مادورو؟

ولهذا تحديداً تريد واشنطن إطفاء حرائق الشرق الأوسط مؤقتاً، ليس حباً بالسلام بل لأن الطبخة الحقيقية على نار هادئة في فنزويلا وربما كوبا لاحقاً، مرورا بكولومبيا وصولا إلى البحر الكاريبي، فتصريحات ترامب عن كوبا، وتحذيراته لرئيس كولومبيا ليست زلات لسان، بل إشارات استراتيجية.

ومن الواضح انه بعد إقفال ملفات الشرق الأوسط وتسليم مفاتيحها لإسرائيل، وإحكام القبضة الأميركية عليها، سوف تتجه واشنطن نحو الحديقة الخلفية الا وهي أميركا اللاتينية ودول أخرى قد يأتي دورها ضمن استراتيجية جديدة تقوم على الصدمة، واستخدام أدوات التكنولوجيا العسكرية والاقتصادية، ومن يقبل بهذه التجاوزات اليوم، سيأتي دوره لاحقاً.

المدى الحيوي الأميركي في فنزويلا والكاريبي سهل الاختراق، بوجود قوى داخلية موالية لواشنطن ما يفتح الباب أمام تغيير المعطيات بالقوة وفتح البلاد أمام الاستثمارات الأميركية.

لكن نجاح هذا "التغيير الخشن" ليس مضموناً إذ ستكشف الأيام المقبلة ما إذا كان الانقسام العمودي داخل المجتمع الفنزويلي سيسهّل الاختراق، أو أن الصلابة والوحدة الشعبية ستجعل الكلفة مرتفعة.

إشغال إيران بأزماتها الداخلية، وتحييدها عن فنزويلا ليس تفصيلًا، وتغيّر قواعد اللعبة في اليمن والسودان وسوريا والعراق ليس صدفة، انها لعبة الكبار وليس فيها مكان للضعفاء.

التاريخ اذاً يُعيد نفسه لكن بأدوات أكثر نعومة وأقسى أثرا في هذه اللعبة، من لا يمتلك قوة ردع حقيقية أو قراراً وطنياً مستقلاً أو بنية دولة صلبة، يصبح مشروعا مؤجلا للسقوط.

لكن لماذا لا تفعل واشنطن الشيء نفسه مع الصين وروسيا وإيران؟ لانه هنا تسقط أسطورة "القوة المطلقة"، لسبب بسيط جداً لأن هؤلاء يمتلكون السلاح النووي وقوة الردع، فلا عقوبات تُسقط بكين، ولا قوات دلتا تدخل موسكو، ولا نصف ساعة تكفي في طهران.

الفرق ليس في الأخلاق بل في ميزان القوة، فمن لا يمتلك ردعاً يُتّهم ويُعتقل ويسقط حكمه، ومن يمتلكه يُفاوض.