البروفيسور ميشال فريد الخوري
منذ العصور القديمة، يراود القادة العسكريين والسياسيين تصوّر بأنه إذا سقط الرأس، يهوي الجسد وإذا سقط القائد تسقط الدولة. من مواجهة داود وجالوت في العهد القديم إلى مواجهات روما القديمة وحروب العصور الوسطى إلى الحروب الحديثة، يعتبر القائد مركز القوة، وهكذا ظهرت فكرة إغتياله كمخرج سريع ومختصر للصراع. إذا كان القائد هو المركز الرئيسي والمرجع الشرعي ورمز المعنويات، فإن التخلص منه قد يختصر الحرب. لكن التاريخ يثبت أن اغتيال القائد لم يؤدّ في معظم الأحيان إلا إلى الفوضى أو الانتقام أو إعادة تكوين قيادة أكثر تشدّداً. إذا كان النظام يعتمد بدرجة كبيرة على قائد واحد، كما هو الحال في الأنظمة السلطوية أو التنظيمات الإرهابية والعصابات الهشة، فإن اغتياله يمكن أن يسقط النظام بسرعة، أما إذا كان النظام مؤسسياً، فإن التأثير يكون محدوداً لأنه في قيادات الدول وفي الجيوش الحديثة هنالك هرميّة وتسلسل للقيادات، لذلك فإن إغتيال القائد لا ينهي الحرب لأن القيادة تنتقل إلى آخر. قد يسبب اغتيال القائد الارتباك والفوضى مؤقّتاً، لكنه قد يزيد من شغف الانتقام بين متابعيه. إذا حدث الاغتيال في مرحلة حاسمة من الحرب، فإنه يمكن أن يؤثر على مسار الحرب. وهكذا فإن السؤال المناسب ليس: هل اغتيال القائد يعتبر أمراً مهماً؟ بل متى يكون مهماً، ومتى يكون مجرد فعل رمزي ليس له أثر استراتيجي؟
نظرة فلسفية: تَطرّق الفلاسفة لأهمية دور القائد في التاريخ، خاصةً إذا كان هذا الدور مرتبطاً بالسلطة المسيطرة على القرار. يرى توماس هوبز في كتابه «ليفياثان» أن إغتيال القائد في الدولة التي لديها سلطة سيادية موحّدة، يُزعزع الكيان ويمكن أن يُفكّك النظام مؤقتاً ويفتح المجال لانهيار الدولة أو الجيش. أما مكيافيلي في كتابه «الأمير» يرى أن دور الحاكم يعتمد على قدرته على البقاء والحفاظ على السلطة؛ من وجهة نظره، إزالة القائد قد يكون فعّالاً إذا كان صاحب شخصية قوية تسيطر على سلطة الدولة، وإذا كان القائد غير مسيطر، فلن يكون إغتياله مشكلة كبيرة؛ وفي الأنظمة المستقرة يمكن استبداله بسهولة. ثم يقول كارل فون كلاوزفيتز في كتابه «عن الحرب» أن الحرب ليست إلا استمراراً للسياسة بوسائل أخرى، ودور القائد مهم جداً ويُعتبر جزءً من منظومة تشمل الإرادة السياسية، والجيش، والاقتصاد، والتنظيم، والجغرافيا، والرأي العام، والتحالفات، لكنه يرى أن قتل القائد قد يُحدث صدمة في بنية السلطة، لكنه لا يكسر تلقائياً الإرادة أو يدمّر القدرة على الاستمرار.
من الناحية الأخلاقية، يقدم إيمانويل كانط في كتابه «مشروع السلام الدائم» معياراً يتكلم فيه عن المنفعة السريعة؛ قد تكون وسيلة الإغتيال فعّالة عسكرياً لكنها قد تدمّر الإستقرار في النظام الدولي. من جهة ثانية، يقدم جيريمي بنثام في «مقدمة في مبادئ الأخلاق والتشريع» منطقاً يقاس بتقليل الألم وزيادة المنفعة. وبين كانط وبنثام تبرز المعادلة: هل يكون اغتيال القائد مبرّراً إذا اختصر الحرب، أم أنه غير مقبول في جميع الأحوال لأنه يفتح باباً لفوضى الاغتيال بدون أي ضوابط؟
أمثلة تاريخية قديمة: عملية اغتيال يوليوس قيصر (44 قبل الميلاد) هي واحدة من أشهر عمليات الاغتيال في التاريخ. كانت الغاية منها إنهاء حكمه الفردي، ومنع تحول الجمهورية الرومانية إلى ديكتاتورية. لكن النتيجة كانت عكسية، حيث نشأ نتيجة ذلك حروب أهلية أدت في النهاية إلى ظهور الإمبراطورية تحت قيادة أوغسطس. في هذه الحالة، نجد أن عملية إغتيال القائد أعادت تشكيل الدولة بشكل أكثر تعقيد. أما عملية اغتيال أبراهام لينكولن (1865)، في نهاية الحرب الأهلية الأمريكية، لم تغير نتيجة الحرب، لكنها أثّرت على مرحلة إعادة الإعمار لأن لينكولن كان قائداً يملك رؤية تصالحية واضحة؛ في هذه الحالة، نجد أن عملية الاغتيال كان تأثيرها سياسياً طويل الأمد أكثر من أن يكون عسكرياً مباشراً. أما عملية اغتيال الأرشيدوق فرانز فرديناند (1914)، كانت الشرارة التي أدت إلى الحرب العالمية الأولى؛ كانت الغاية ليست لتحقيق نصر عسكري مباشر، ولكن كانت فعلاً سياسياً قومياً أدى إلى تصعيد غير مسبوق في التاريخ. هذه الأمثلة الثلاثة تثبت أن اغتيال القائد قد يكون حدثاً عظيماً من حيث الرمزية، لكنه لا يترجم تلقائياً إلى نصر عسكري أو سياسي للطرف المنفّذ وقد يوسّع الحرب بدلاً من إنهائها.
أمثلة حديثة: في النزاعات الحديثة، هناك استراتيجية قطع رأس أوLeadership Decapitation التي ناقشتها جينا جوردان في كتابها «استراتيجية قطع رأس العدو: استهداف قيادات تنظيمات الإرهاب». مثال على ذلك هو اغتيال قاسم سليماني في (يناير 2020)، وهو استهداف قائد عسكري محوري في شبكة إقليمية متشعّبة؛ غير أن ذلك لم يؤد إلى إنهاء نفوذ إيران أو حسم الصراع في المنطقة. نرى ذلك أيضا في اغتيال إسماعيل هنية في (يوليو 2024)، فبالرغم من إضعاف قيادة حماس، لكنه لم يؤد إلى إنهاء التنظيم. وأيضاً في إغتيال السيد حسن نصر الله في (سبتمبر 2024)، وهو مثال على استهداف قيادة تاريخية كاريزمية في تنظيم حزب الله في لبنان، فبالرغم من ثقلها السياسي والرمزي، لم يؤد إلى إنهاء التنظيم وانتقلت السلطة إلى نعيم قاسم، وها هم الآن بعد سنة ونصف على الإغتيال يقاتلون إسرائيل في الجنوب اللبناني. هذا يؤكد أن الإغتيال يؤدي إلى صدمة مؤقتة، غير أنه نادراً ما يؤدي إلى حسم استراتيجي. حتى جينا جوردان خلصت إلى أن الإغتيال غير حاسم، وقد يكون عديم الجدوى أو حتى عكسياً. هناك العديد من الدراسات التي أشارت إلى أن إستراتيجية قطع الرأس لا تنفع مع تنظيمات كبيرة قديمة مؤسساتية متجذرة اجتماعيا وعقائديا، بينما قد يكون أكثر نجاحاً في مكافحة تنظيمات صغيرة هشة تظهر في شخصية واحدة؛ هذا ما يشير إليه أيضاً باتريك جونستون في كتابه «تقييم فعالية استراتيجة قطع رأس العدو في حملات مكافحة التمرد».
الحالة الإيرانية: أما في الحالة الإيرانية، نرى كيف أن الضربات الإسرائيلية في يونيو 2025 قتلت بعض أفضل القيادات العسكرية والعلماء في إيران في محاولة "قطع رأس” القيادة الإيرانية. ومع ذلك، لا يبدو أن ذلك قد أدى إلى هزيمة النظام، بل أدى إلى تغيير الترتيبات القيادية في البلاد ومزيد من العسكرة. وفي الحرب الدائرة حالياً، أدت الضربات الإسرائيلية إلى مقتل المرشد الأعلى في إیران علي خامنئي ورئيس الأمن القومي علي لاريجاني، وكذلك العديد من القياديين في الحرس الثوري والباسيج ودائرة العلماء. من المؤكد أن مقتل هذه القيادات زاد من الفوضى، لكنه لم يُحطّم أو يسقط النظام ولم يُجبره على الاستسلام. والقراءة الحقيقة هي أنه من المؤكد أن الضربات والإغتيالات أثقلت النظام الإيراني، لكن الخبرة التراكمية والقدرة على التكيف دفعت الحرس الثوري إلى مزيد من التشدد وجعلت الخيارات الوجودية محدودة أمامه. وهنا يظهر جلياً أيضاً كيف أنّ الضربات التي تستهدف القادة نادراً ما تؤدي وحدها إلى إنهيار الأنظمة العقائدية ذات بنية إجتماعية ومؤسساتية راسخة.
نجاح مؤقت وفشل استراتيجي: من النظرة الجيوبوليتيكية، إستهداف القيادة يُؤثّر على هيكلية النظام، والرأي العام، وأسعار الطاقة، والتحالفات. قد تختلف فعالية اغتيال قائد في تنظيم مسلح هش عن فعالية اغتيال شخصية تربط سلطة إيران عسكرياً وسياسياً ودبلوماسياً مثل علي لاريجاني. من ناحية النجاح أو الفشل، تُقاس نتيجة الاغتيال من خلال قدرة النظام على الإستيعاب، ونقل السلطة إلى آخر، والمحافظة على الاستراتيجية. ولهذا فإن اغتيال قائد في دولة مركزية يُعتبر أداة قد تنجح مؤقّتاً في بعض الأحيان ولكنها تفشل في النهاية إستراتيجياً. نعم، الإغتيال قد يربك الأمور، ويؤخّر إتخاذ القرار، ويضرب المعنويات، ويُظهر الإختراق الإستخباراتي، لكنه في نفس الوقت، قد يُنتج آثاراً معاكسة مثل توحيد الصفوف، وتقديم القائد المقتول كرمز وكشهيد وطني، بما يمنح التنظيم أو الدولة طاقة لإعادة التعبئة. إغتيال قاسم سليماني عام 2020 مثال واضح على ذلك، فهو لم ينهِ النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، بل رفع التوتر والقلق وخلق موجات تعبئة وانتقام ليس فقط داخل إيران بل أيضاً عند جميع أذرعها في سوريا والعراق واليمن ولبنان.
فرص النجاح: إذا أردنا صياغة فرصة لنجاح الإغتيال، يمكن القول إنه ينجح أكثر إذا توفرت أربعة شروط: الأول، أن يكون التنظيم شخصياً لا مؤسسياً (تنظيمات إرهابية هشة وعصابات غير بنيوية)؛ الثاني، أن يكون خط الهرمية ضعيفاً أو مقسماً؛ الثالث، أن يكون الإغتيال متزامناً مع ضغط عسكري وسياسي واقتصادي؛ الرابع، أن يكون الطرف المنفّذ له تصوّر واضح عن اليوم التالي. إذا لم تتوفّر هذه الشروط، فإن الاغتيال يتحول غالباً من وسيلة حسم إلى وسيلة إرباك مؤقت حيث تنشط القومية المعاكسة وموجات رفع التوتر والمطالبة بالثأر لا أكثر.
في الأنظمة الحديثة المبنية على مؤسسات هرمية، إغتيال القائد وإسكات صوت واحد لا يحسم الحرب بل يفتح فراغاً مؤقتاً يمكن تعبئته تلقائياً. وفي الشرق الأوسط خاصة، حيث التنظيمات والدول لها أبعاداً مذهبية وأيديولوجية وإقليمية، إغتيال القائد لا يؤدي بالضرورة إلى نهاية المشروع الذي يؤمن به، لكنه يؤدي إلى ضعف مؤقت وإلى إعادة تشكيل المشروع، وأحياناً إلى إطلاق مرحلة أكثر خطورة من الحرب نفسها. فالفراغ الذي يخلّفه القائد يمتلئ غالباً بشخص أشد قسوةً وصلابة. ومن يظن أنه أنهى خصمه برصاصة، قد يكون في الواقع قد أيقظ الوحش عند متابعيه، وإغتياله يتحول إلى وقود جديد للصراع. لهذا فالجواب المناسب للسؤال: هل كان اغتيال القادة مصدراً للفوز في حروب تاريخية؟ هو: أحياناً مؤقتاً على المستوى التكتيكي واللوجستي، ونادراً على المستوى الاستراتيجي خاصةً إذا كان القائد متعلقاً بمشروع عقائدي بنيوي أوسع. الانتصار لا يأتي من إزالة الأشخاص، بل من تغيير الشروط التي أنتجتهم، وإذا لم تتغير هذه الشروط، سيولد القائد من جديد، وربما بصورةٍ أكثر خطورة. فالحروب لا تُحسم فقط بإزالة الوجوه، بل بتغيير موازين القوة، وكسر الإرادة السياسية، وبناء نظام جديد أكثر استقراراً. أما اغتيال القادة وحده، فغالباً ما يكون لحظة مدوية ومربكة مؤقتاً لكنها لا تكون حاسمة للحرب.