بيروت - لبنان 2023/02/08 م الموافق 1444/07/17 هـ

العمل السياسي بين الأصول والممارسة

حجم الخط

إنّ علم السياسة يُجمع على أن العمل السياسي السليم يتطّلب القيام والاعتماد على الأحداث وكلْ الظواهر ودراستها بطريقة موضوعية صرفة تبتعد كُــلَّ البُعْد عن التحيُّز والتعصُّب والأفكار الشخصية والمصالح الخاصة والذاتية. إنّ العمل السياسي في أغلبية دول المشرق وللأسف تُمارس بِطُرُق إعتباطية دكتاتورية تخرج عن الإطار السليم وممارسوها لا يُعيرون الشأن والإهتمام بمندرجات علم السياسة، وهذا ما يُعطِّلْ الفعل السياسي السليم ويضع الأوطان أمام معضلات خطيرة وأمام واقع سياسي غير مألوف على الإطلاق.
إنّ علم السياسة يشترط أنْ يكون فِعْل ممارسة العمل السياسي جَماعياً وليس فردياً دكتاتورياً داخل أي مجتمع، حيث يشترط أيضاً وحتى من المُلزِم رصد المشاكل وإكتساب الدبلوماسية والمرونة في إعتماد طُرُق لحلِّها وحُسن الدراية في طرح المنظومات السياسية التي تعتمد على القوانين والأعراف الدولية المعتمدة من قِبَل منظمة الأمم المتحدة، وحتى إتِّقان الأساليب الدبلوماسية والسياسية التي تُجنِّب التسبّب بالأزمات والصراعات، كما الهدف من أي عملْ سياسي سليم نشر الثقافة السياسية الصادقة والتخطيط الإستراتيجي السليم والعمل على تحديث القوانين بشكل موضوعي يؤدي إلى تغيير الأساليب المستعملة والتي أدّتْ وتؤدّي إلى الفوضى والشعور بالغبن.
كَثُرَتْ الأسئلة في المرحلة الراهنة لا بــل تشعّبتْ عن كيفيّة إفراغ الفعل السياسي من مضمونه السليم وهذا أمر بات يُحرج الكثيرين من الذين يتعاطون بالمباشر مع الأزمات وتحديداً الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن وخصوصاً عندما تُرفع قضايا لدول معنية بالأزمات، هل يُعقَل أنْ تُمارس السياسة في دول المشرق على طريقة «الدكنجيي» وعفواً من هؤلاء السّادة ولكن الأمور تتطوّر إلى الأحسن منطقياً؟! كثيرة هي أعطاب الفكر السياسي المُمارسة من قبل ساسة المنطقة وهي تشكو بأغلبيتها من أعطاب فكرية وأمراض ما بات يُعرف بالعمل السياسي الخارج عن إطار المنطق والقانون، والوقائع تؤشِّر أنّ شرقنا بما فيه لبنان يعيشُ قحطاً في الفكر السياسي إنْ لم نستعمل نعتاً آخر.
مشرقنا يُعاني من مشاكل سياسية طالتْ، ويُعاني أيضاً من تفكّك العمل السياسي وحتى الحياة السياسية وبصريح العبارة يُعاني من إرتهان الحياة السياسية وبكل مندرجاتها للغريب فلا ساسة أسياد ولا منظومة سيادية تحترم نفسها ومُحترمة من محيطها ولا هي قابلة للحياة وتستوفي شروط العمل السياسي المنصوص عنه في ميثاق الأمم المتحدة كما في شرعة حقوق الإنسان. إنّ الوضع العام المشرقي يتطّلب الجرأة في مقاربة الأمور وخصوصاً أقدس قضية يُعاني منها شرقنا ألا وهي «القضية الفلسطينية» التي طال أمدُها وليس في الأفق القريب أي حل يُنهي مأساة شعب شرّدته المصالح الخاصة وتآمرت عليه أغلبية الأمم بما فيها بعض الدول العربية، والأمر الأكثر أسفاً ومرارةً هو الحالة الهستيرية التي تُعالج فيها القضية الفلسطينية مرحلياً على أيدي بعض الفُرس ومشتقاتهم فيما كان يُعرف بـ«دول الطوق»، بما فيه لبنان... هناك أمراض كثيرة والأمر ليس محصوراً بالقضية الفلسطينية فقط، المهم الوقوف على أمراض الفعل السياسي المُمارس والذي أوصل الأمور إلى ما هي عليه، داخل المجتمعات المشرقية بما فيها المجتمعين اللبناني والفلسطيني، وحتى على الطُرُق التي تتسِّم بها البُنى السياسية القائمة في المشرق وفي لبنان وفي فلسطين... التركيز يتطّلب على من يُمارسون العمل السياسي أي في إدارة الأزمات في المشرق وعلى الطُرُق التي يعتمدونها في إدارة تلك الأزمات، والدليل على أنّ مقارباتهم يشوبها الفشل الفكري وينتابها نوبات مرضية قاتلة من خلال ترك هذه الأمراض تتفاعل في الجسم المشرقي وتعطُب الحياة السياسية في كل هذه الدول وخصوصاً في الدول التي ذكرتها على سبيل المثال وليس الحصر.
الحياة السياسية في مشرقنا وتحديداً في لبنان تتحكّم فيها «الأُميّة الفكرية السياسية»، كما يتحكّم فيها ضعف وغياب القضاء وحتى تسييسه، وهذا الأمر يخلق ظاهرة عدم الثقة ما بين الحُكام وأفراد الشعب. القوى السياسية في لبنان وبعض القوى في المشرق تُعاني من ضعف واهن، كما تُعاني من ضعف القدرة على إبتداع الحلــول، كما أنها تعاني من قحط فكري ومن دكتاتورية غير مألوفة في عالمنا اللبناني والمشرقي... إنّ ما هو عليه الفكر السياسي اللبناني هو البقاء على فكر قديم كالثوب المهلهل وعبثاً نحاول «الترقيع» وكأني به كمن يطلب «عبّي ماي بسلة قش» نسبة إلى المثل المعتمد... كل هذه الأسباب وغيرها من التي لم تُذكر هي المسؤولة عن تأزّم الأوضاع الحالية في لبنان وفي المشرق.
إنّ إفراغ العمل السياسي من محتواه القانوني يَضُّر بالديمقراطية، كما هو حاصــل في لبنان وفي أغلب دول المشرق. كل القادة الحاليّون يديرون العملية السياسية بشكل همجي وإنهم يُفاقمون من أزمة التمثيل الديمقراطي ومن أزمة التمثيل السياسي الحــر، وإنهم يُعانون من أزمة لا يدركون مخاطرها وهي أزمة الدفاع عن مصالحهم مقابل مصلحة الدولة ومؤسساتها المدنية والعسكرية ومصالح الشعب، يتظاهرون في كثير من الأحيان لا بل في أغلبيتها أنهم مؤيدون لمصالح أوطانهم من خلال خطاب شعبوي لكن دون أن يكون لهم أي برنامج ملموس وبالكاد يفعلون أي أمر لتقديم أي مساعدة فعّالة لإحتياجات مواطنيهم...
سؤال يطرح نفسه إلى العلن: هل العمل السياسي في لبنان كما في مشرقنا يستوفي الشروط والأصول التي يعتمدها علم السياسة؟ أم هو مُجرّد فعل سياسي هامشي؟؟؟!!! الجواب بإختصار سيكون بفلسفة السؤال، هل يضمن الساسة في لبنان وفي المشرق للشعوب حقوقها الإنسانية؟ وهل تتصرف السلطات العامة وفقاً للدساتير وللقوانين؟ هذان السؤالان من أكثر الأسئلة التي تُطرح عند قياس الحالة العامة في أي بلاد وتحديداً في لبنان، وإنهما يعكسان المكانة المركزية التي يحتلها رجل السياسة في حياة الدولة ومؤسساتها والشعب... 
* كاتب وباحث سياسي


أخبار ذات صلة

طلب من معين شريف للمجتمع الدولي: "بكفي ظلم بقى"
إنقاذ رضيع بقي تحت الأنقاض أكثر من 50 ساعة في [...]
حبشي: نحن قوم عشقنا الحرية