قبل ساعات قليلة من اجتماع
الحكومة اللبنانية المخصّص لعرض تقرير الجيش بشأن خطته في الانتشار جنوب الليطاني،
وتسلمه مخازن أسلحة لحزب الله ضمن مسار "حصرية السلاح بيد الدولة"، جاء "الكتاب
المفتوح" الذي وجّهه حزب الله إلى الرؤساء الثلاثة والشعب اللبناني، أشبه ببيان
ردع سياسي أكثر منه موقفاً إعلامياً، حتى انه يمكن القول هو اشبه بقطعة استراتيجية
مصوّبة في توقيت سياسي وأمني بالغ الحساسية، إذا ما قرأناه من حيث التوقيت، ولغته
المركبة، والظروف الإقليمية التي أحاطت به، ما يجعل منه وثيقة مفصلية تعيد رسم
حدود الصراع بين الدولة والمقاومة، وبين لبنان وخصومه الخارجيين، وفتح امتحان
دستوري وسياسي على نحو يُذكر بالمحطات الكبرى التي سبقت الحروب أو التسويات
التاريخية.
بل أكثر من ذلك يمكن أن اعتبار
الكتاب المفتوح وثيقة تحوّل في خطاب المقاومة من لغة القوة إلى لغة الدولة، ومن
منطق التهديد إلى منطق الشرعية.
من الواضح أن الحزب اختار لحظته
بعناية، فهو يعلم أن الحكومة على وشك الدخول في نقاش حساس حول تسلّم الجيش لمخازن
سلاح تابعة له في الجنوب، في خطوة تُعتبر تمهيداً عملياً لنزع السلاح أو على الأقل
وضعه تحت وصاية الدولة. كما يدرك أن المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغّر، الذي
اجتمع قبل يوم واحد، ناقش سيناريوهات الرد العسكري على ما تعتبره إسرائيل "خروقات
متكرّرة" من جانب الحزب لاتفاق وقف إطلاق النار، وهو سيجتمع قريبا لاتخاذ
قرار بشأن التهديد المتعاظم الذي يشكّله الحزب، بعد أن أعاد بناء قدراته العسكرية،
بحسب ما روجت وسائل اعلام اسرائيلية على مدى اسابيع.
ما لم يُنتزع بالحرب... لن
يُنتزع بالسلم
بهذا المعنى، يأتي الكتاب
المفتوح كجدار سياسي أمام أي محاولة لبنانية داخلية لتقديم "عربون حسن نية"
تجاه واشنطن أو تل أبيب. الحزب استبق المداولات الحكومية بخطاب علني، ليقول عملياً،
أن أي خطوة رسمية في ملف السلاح خارج الإجماع الوطني هي خيانة للسيادة، ولن تُمرّر
بلا موقف.
وبذلك يكون الحزب قد نقل
النقاش من الطاولة الحكومية إلى ساحة الرأي العام، واضعاً الرؤساء الثلاثة تحت
مجهر الشارع والمجتمع السياسي.
اللافت في النص أن الحزب لم
يتحدث بلغة التهديد أو الانفعال، بل بلغة الشرعية، فقد استند إلى القرار 1701
وإعلان وقف النار الأخير (27 تشرين الثاني 2024)، مقدّماً تفسيره الخاص للنصوص
الدولية التي حدّدت منطقة العمليات جنوب الليطاني، مؤكداً أن الحزب ملتزم ميدانياً
بالاتفاق، وأن الخرق يأتي من الجانب الإسرائيلي حصراً.
بذلك، يحاول الحزب أن يعيد
صياغة صورته في المشهد الدولي من فاعل عسكري إلى فاعل شرعي ملتزم بالقانون الدولي
حين يُحترم. إنه قلب ذكي للمعادلة، فالمقاومة لا تنتهك القانون، بل تدافع عن لبنان
في وجه دولة خارقة للقانون، الدولة اللبنانية ليست خصم المقاومة، بل شريكها في حفظ
السيادة، السلاح ليس عبئاً بل ضرورة مؤقتة في ظلّ استمرار العدوان.
الكتاب لم يُصغ بلغة الداخل
فقط، بل كُتب أيضاً ليُقرأ في واشنطن وتل أبيب.
أما الرسالة إلى الداخل فهي واضحة،
بأنهم ليسوا الطرف الذي يهدد وحدة الدولة، بل الطرف الذي يمنع سقوطها أمام
الابتزاز، فيما الرسالة إلى الخارج أشد وضوحاً أنه "لن تُنزع سلاحنا بالضغوط
أو التهديدات، لأن ما لم يُنتزع في الحرب لن يُنتزع في السلم".
بهذه الصيغة يقدّم الحزب
مفهومه الخاص لـ"الشرعية الدفاعية"التي تتجاوز قرارات الحكومات إلى منطق
الحق الوطني في مقاومة الاحتلال.
استباق تقرير الجيش واحتواء "الخطأ
الحكومي"
يصف الحزب في نصّ الكتاب،
قرار الحكومة الأخير حول حصرية السلاح بأنه "خطيئة حكومية"، قدّمت للعدو
مادة ابتزاز مجانية. هذه العبارة ليست تفصيلاً بل مقصودة.
فالحزب يدرك أن الجيش
اللبناني رغم كفاءته ومهنيته لا يملك حتى الآن القدرة العملية الكاملة لحماية
الجنوب وردع إسرائيل، وأن أي خطوة رمزية في ملف السلاح دون خطة دفاعية وطنية
شاملة، ستُقرأ في الخارج كتنازل مجاني.
فهو يؤكد الوقوف إلى جانب
الجيش والعمل المشترك لحماية السيادة، لكنه في الوقت نفسه يذكّر بأن الجيش لا يمكن
أن يكون أداة لتنفيذ رغبات الخارج.
إنها صيغة ذكية لاحتواء
المؤسسة العسكرية ومنع انزلاقها إلى موقع الخصم، مع الإبقاء على خيط التعاون
والتكامل قائماً.
من هنا، أراد الحزب احتواء
الانعكاسات السياسية لخطوة الجيش قبل أن تتفاقم، وإعادة ضبط النقاش داخل إطار "استراتيجية
الدفاع الوطني" التي طالما دعا إليها الشهيد السيد حسن نصر الله منذ اتفاق
الدوحة عام 2008.
واللافت ايضا في الكتاب انه
وللمرة الأولى منذ سنوات، يخاطب الحزب الشعب اللبناني مباشرة بهذه النبرة المفتوحة،
فهو يتحدث عن "وقفة وطنية موحّدة" و"حق مشروع في الدفاع"، وعن
"تقدير صبر الشعب المقاوم والأبي"، هذه العبارات ليست زخرفة بل محاولة
لإعادة تعبئة الرأي العام اللبناني حول مفهوم جديد للسيادة، يتجاوز الاصطفاف
الطائفي أو الحزبي.
فالمطلوب، من وجهة نظر
الحزب، أن يتحول النقاش حول السلاح من قضية حزبية إلى قضية وطنية سيادية، وأن
يُعاد تعريف العلاقة بين الجيش والمقاومة على قاعدة التكامل لا التنازع.
وبذلك، يكون الكتاب المفتوح
قد وجّه بوصلة الخطاب الشعبي نحو خطر خارجي، في محاولة لتفريغ التوتر الداخلي.
حزب الله "مكوّن مؤسّس"
لا قوة متمردة
يُلاحظ في نص الكتاب أن
الحزب تجنّب اللغة الانفعالية تماماً، واعتمد أسلوباً دستورياً شبه رسمي، فهو بدأ
بالتحية للرؤساء الثلاثة، استخدم مفردات القانون الدولي (إعلان، بند، نص،
التزام…)، ثم ختم بعبارات وجدانية تخاطب الشعب.
هذا التوازن في اللغة ليس
عفوياً، فهو يكرّس صورة الحزب كمكوّن مؤسس للبنان، لا كقوة متمردة، ويؤكد أنه ليس
في موقع الهجوم بل في موقع الدفاع عن الوطن.
كما يُوجّه رسالة ضمنية إلى
الخارج بأن المقاومة ليست "تنظيماً مارقاً"، بل طرفاً منسجماً مع منطق
الدولة عندما تكون الدولة نفسها مستقلة في قرارها.
وهو ما يضع الحكومة
اللبنانية أمام اختبار حقيقي، هل ستتعامل مع خطاب المقاومة كتحذير وطني وتعيد
صياغة موقفها بما يراعي التوازن الداخلي، أم ستواصل السير في مسار "حصرية
السلاح" دون غطاء وطني جامع؟
اللغة هنا لا تقبل التأويل، الحزب
يقول بصراحة إن زمن المواربة انتهى، وإن الدولة مطالَبة بأن تعلن إلى أي محور
تنتمي محور السيادة، أم محور التسوية والرضوخ.
بهذا المعنى، يتحول الكتاب
إلى مرآة سياسية تكشف التناقض داخل الحكم بين خطاب السيادة في العلن، وحسابات
الخارج وأجنداته في الكواليس.
يظهر في نص الكتاب المفتوح
هجوم سياسي مبطّن على المقاربة الأميركية للملف اللبناني، فالحزب يرى أن واشنطن
تسعى إلى فرض خطوات تنفيذية تضمن نزع سلاح المقاومة تحت عنوان حماية لبنان من العقاب
الإسرائيلي، من دون أن تمارس أي ضغط على إسرائيل نفسها.
بهذا المنطق، يعتبر الحزب أن
الحكومة اللبنانية وقعت في الفخ الأميركي، إذا تجاوبت مع المطالب تفقد شرعيتها
الداخلية، وإذا رفضت تُتّهم بتعطيل الحلول وتحمل مسؤولية التصعيد.
الكتاب يحاول فكّ هذا الطوق
السياسي عبر دعوة الدولة إلى موقف سيادي واضح يرفض التهديد المزدوج، ويحمّل
إسرائيل المسؤولية عن خرق وقف النار.
بمعنى آخر، الحزب لا يريد أن
تتحدث الحكومة باسم الخوف، بل باسم الحق.
كل المؤشرات تدل على أن الاسابيع
المقبلة ستكون مفصلية وقاسية، فإذا نجحت الحكومة في استيعاب الضغوط الخارجية ضمن إطار
وطني متماسك، فقد يتمكن لبنان من تجنّب الانفجار والحرب الكبرى مجدداً.
أما إذا استمرت في حالة
التردد والانقسام والانصياع الى ما تريده واشنطن وتل ابيب، فإن أي حادث أمني على
الحدود الشمالية قد يشعل مواجهة واسعة، وأي قرار يُتخذ بشأن التفاوض قد يجر البلد الى ما هو أشبه بـ7 ايار جديد.
إنها مرحلة جديدة من الحرب اللبنانية-
الإسرائيلية، والرسالة واضحة من يريد حصر السلاح بيد الدولة، عليه أولاً أن يضمن
أن تكون الدولة بيد الوطن، لا بيد الخارج.