بيروت - لبنان

اخر الأخبار

7 آذار 2026 12:10ص المحيط الهندي وشرق المتوسط في قلب إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية

حجم الخط
يشهد شرقُ المتوسط وغربُ آسيا مخاضاً جيوسياسياً عميقاً، تتقاطع فيه طرق التجارة مع خطوط الغاز، وتتجاور فيه الحسابات الأمنية مع رهانات الاقتصاد السياسي. وإذا كان من المبكر الحديث عن حلفٍ مكتمل الأركان بالمعنى المؤسسي الصارم، فإن ملامح اصطفافٍ متدرّج تتبدّى في الأفق، يمتد من الهند إلى شرق المتوسط، وتغدو إسرائيل فيه نقطة ارتكازٍ مركزية، في مواجهة تفاهماتٍ مقابلة تقودها تركيا وباكستان ومصر وبعض الدول العربية، فيما تحتل إيران موقع القلب في هذا التفاعل المعقّد، لا بوصفها طرفاً خارجياً، بل فاعلاً بنيوياً في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.
تسعى الهند، القوة الآسيوية الصاعدة، إلى تثبيت حضورها في الممرات البحرية الممتدة من المحيط الهندي إلى البحر الأحمر، وصولاً إلى شرق المتوسط. فالأمن البحري لم يعد مسألة عسكرية فحسب، بل صار شرطاً لازماً لضمان سلاسل الإمداد والطاقة والتكنولوجيا. وفي هذا السياق، يتلاقى طموحها مع إسرائيل التي تحوّلت، بعد اكتشافات الغاز في شرق المتوسط، إلى لاعبٍ طاقوي مؤثر، ونسجت شبكة علاقاتٍ متينة مع قبرص واليونان.
هذا التلاقي لا يقوم على اعتباراتٍ أيديولوجية، بل على حساباتٍ براغماتية دقيقة تتمثل في حماية الممرات البحرية وخطوط الطاقة، خلق بدائل لطرق التجارة التقليدية وموازنة النفوذ التركي والإيراني في الإقليم.
إنه محور مصالح يتغذّى من الاقتصاد بقدر ما يستند إلى الأمن، ويستمد شرعيته من فكرة التكامل الوظيفي بين أطرافه.
في المقابل، تتشكل شبكة تفاهمات بين تركيا وباكستان ومصر، مدفوعةً بإدراكٍ مشترك لمخاطر التهميش في معادلة المتوسط. فتركيا ترى في التحركات اليونانية – القبرصية – الإسرائيلية محاولةً لتطويقها بحرياً، وهي التي تسعى منذ سنوات إلى تثبيت موقعها كقوة متوسطية لا يمكن تجاوزها. أما باكستان، فتنظر إلى شراكتها مع أنقرة في إطار أوسع من التحالفات الإقليمية التي تمنحها عمقاً استراتيجياً يتجاوز جنوب آسي، وهنا يبرز ما جرى مؤخراً من اشتباكات بين باكستان وأفغانستان في مسعى ضغط موجه ضد باكستان ضمن مجرى تشكيل التحالفات والضغوط المتبادلة.
ومصر، التي استعادت دورها في شرق المتوسط بعد اكتشافات الغاز في دلتا النيل، تميل إلى هندسة شبكة توازنات تضمن مصالحها الطاقوية والسيادية. إن هذا الاصطفاف المقابل ليس كتلةً صلبة، لكنه يمثل محاولةً لقطع الطريق أمام احتكار محورٍ واحد لمعادلة الإقليم.
في قلب هذه المعادلة تقف إيران، بحضورها الممتد في الخليج وبلاد الشام والعراق. فهي ليست طرفاً هامشياً، بل قوة إقليمية ذات مشروع واضح عدواني بالغالب، استطاعت أن تؤثر في موازين القوى منذ مطلع القرن الحادي والعشرين.
غير أن ما قامت به إيران في الحرب الراهنة من استهداف المصالح الحيوية للدول العربية الخليجية ينطوي على خطأ استراتيجي مزدوج:
أولاً، لأنه يدفع هذه الدول إلى تعزيز شراكاتها الأمنية ضمن ترتيبات أوسع قد لا تكون في صالح طهران.
وثانياً، لأنه يُضعف فرص بناء منظومة أمن إقليمي تُبعد شبح الحرب عن الجغرافيا الإيرانية نفسها.
لقد سعت دول الخليج، في محطات عدة، إلى احتواء التصعيد وتفادي المواجهة الشاملة، إدراكاً منها أن أي نزاعٍ واسع سيصيب البنية الاقتصادية للجميع. غير أن العدوانية الإيرانية قد أطاحت بكل المسعى العربي والخليجي تحديداً.
في المقابل تتحول دول مثل لبنان وسوريا والعراق إلى مسارح مواجهةٍ غير مباشرة بين هذه المحاور. فهشاشة الدولة المركزية، وتعدد الولاءات الداخلية، وارتباط ملفاتها بإعادة الإعمار والطاقة والممرات البرية، كلها عوامل تجعلها نقاط تماسٍّ دائمة.
هنا يتداخل الأمن بالاقتصاد: خطوط الغاز، مشاريع الربط الكهربائي، الموانئ، والمعابر البرية، تتحول إلى أدوات ضغطٍ ومساومة. وتصبح هذه البلدان مختبراتٍ مفتوحة لصراع الإرادات الإقليمية.
وهنا لن يكون الصراع عسكرياً خالصاً. فالموانئ والممرات، وشبكات الطاقة، ومشاريع الاستثمار العابرة للقارات، ستشكّل ساحته الأبرز. إننا أمام إعادة رسمٍ لخرائط النفوذ الاقتصادي، حيث تتقدم لغة المصالح على لغة الشعارات، ويتحوّل الحلف من صيغة عسكرية تقليدية إلى شبكة متشابكة من المصالح المتبادلة.
سياسياً، قد نشهد ولادة أطر تعاون جديدة، تعيد تعريف مفهوم الأمن الجماعي في المنطقة. أما إذا غلبت عقلية المحاور الصلبة، فإن المنطقة مرشحة لدخول مرحلة من الصراعات المركّبة، تتداخل فيها الأدوات الاقتصادية والعسكرية والإعلامية في آنٍ معاً.
نحن أمام مرحلة يقف فيها الإقليم على مفترق طرق. فإما أن تتحول هذه الاصطفافات إلى توازنٍ مستقرّ قائم على المصالح المشتركة، وإما أن تنزلق إلى استقطابٍ حادّ يعمّق الانقسامات ويُضاعف كلفة الصراع.
والتاريخ، بصفحاته الكثيرة في هذه الجغرافيا، يعلّمنا أن الخرائط لا ترحم من يسيء قراءة تحوّلاتها. فحين تتقدّم البراغماتية الاقتصادية على الحسابات الأيديولوجية، تُصنع تسوياتٌ قابلة للحياة. أما حين يطغى منطق الغلبة، فإن الصراع لا يبقي ولا يذر، ويصير البحر – من المحيط الهندي إلى المتوسط – مرآةً لاضطراب البرّ من حوله.