كما بات مؤكداً، فان لبنان يعيش راهنا وضعا بالغ الدقّة والتعقيد مع تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية على أراضيه يوما بعد يوم، وبالتزامن مع تزايد الضغوط الدولية على الدولة اللبنانية لتنفيذ ما هو مطلوب منها على الصعيد الأمني والسياسي، حيث بات الوضع لا يسمح بالمماطلة أو التأجيل، وبالتالي فان لبنان اصبح أمام مفترق حاسم قد يحدد مستقبل الدولة ككل واستقرارها الداخلي ووضعها الإقليمي.
وفي هذا الإطار، تعتبر مصادر سياسية رفيعة المستوى لـ«اللواء» بان الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الحدود اللبنانية والمناطق الجنوبية لا تأتي في فراغ، فهي جزء من استراتيجية أصبحت واضحة للضغط على الدولة اللبنانية، سواء لإضعاف مؤسساتها أو لفرض شروط معينة في إطار الوضع الإقليمي الجديد. واللافت أيضاً أن هذه الضغوط تأتي أيضاً في وقت تتصاعد فيه التحذيرات الدولية بأن لبنان أصبح أكثر من أي وقت مضى في وضع خطير ودقيق جداً، وأن إخفاق الدولة في اتخاذ الخطوات اللازمة في معالجة ملف السلاح غير الشرعي سيؤدي إلى تفاقم المخاطر الداخلية والخارجية عليه.
وفي هذا السياق، فان لبنان وبحسب المصادر يواجه تحدّياً مزدوجاً: أولا، جمع السلاح غير الشرعي وتأكيد حصر القوة العسكرية بيد الدولة والجيش اللبناني، بما في ذلك سلاح حزب الله. ثانياً، الحفاظ على استقرار البلد في ظل الضغوط الاقتصادية والمالية والعسكرية عليه، والتي لا تساعد على خوض أي مواجهات مفتوحة في المرحلة الراهنة.
لذلك ترى المصادر بان هذه التحديات تتطلب من الحكومة والطبقة السياسية اتخاذ قرارات حاسمة وسريعة لضمان عدم فقدان السيطرة على الوضع الأمني الداخلي.
وتشير المصادر الى ان زيارات الموفدين الدوليين إلى لبنان يندرج أيضا كعامل ضغط إضافي، مع تحذير واضح من قبل كافة المسؤولين العرب والأجانب من أن الوقت أصبح ضيّقا أمام لبنان إذا لم ينفذ المطلوب منه، وبالتالي فقد يخسر الدعم الدولي، لا سيما العسكري والمالي للجيش اللبناني.
كما أن أي تقاعسا في ملف جمع السلاح غير الشرعي لن يُنظر إليه من قبل المجتمع الدولي على أنه خيار مقبول، بل سيشكّل عقبة أمام أي خطة مستقبلية لدعم الجيش أو تأمين قدراته على المستوى الأمني، حسب المصادر التي تلفت بان السياسة الإسرائيلية في هذا السياق واضحةً أيضا، إذ أن كل اعتداء أو عملية عسكرية تنفذها تل أبيب، غالباً ما تكون تحت تغطية أميركية، وتهدف إلى تعزيز الضغوط على لبنان لدفعه نحو التفاوض واستكمال التزامات محددة.
لذلك، فان المصادر تؤكد ان هذه المعطيات تشير إلى أن الأيام القليلة المقبلة ستكون حاسمة ومصيرية، وقد تتوقف مصداقية الدولة اللبنانية في المجتمع الدولي على مدى التزامها بتحقيق خطوات ملموسة في ملف السلاح والحدود.
أما على الصعيد الداخلي فالمصادر ترى ان الأمور لا تخلو من التعقيدات، إذ يواجه «حزب الله» تحدّياً داخلياً من جهة، حيث عليه أن يظهر بمظهر القوة أمام بيئته السياسية والاجتماعية، ومن جهة أخرى، عليه أن يراعي الأوضاع الاقتصادية والمالية والعسكرية غير المواتية للردّ العنيف أو التصعيد العسكري في الوقت الراهن. وتتوقع المصادر أن يلتزم الحزب بضبط النفس، متجنّباً أي رد فعل قد يضرّ بمصالحه على المدى القريب.
أما على صعيد عمل الجيش اللبناني، فإن خطة جمع السلاح غير الشرعي وفرض السيطرة على جميع المجموعات المسلحة تبقى تحت المراقبة الدولية المشدّدة وان أي تأخيرا أو إخفاقا في هذه الخطة حسب المصادر السياسية قد يؤدي إلى فقدان الدعم الدولي، ما يعني ضعف القدرة على الحفاظ على الاستقرار الداخلي وحماية الحدود اللبنانية.
وعن موضوع إلغاء الاجتماعات التي كانت مقررة بين قائد الجيش العماد رودولف هيكل وبعض كبار المسؤولين الأميركيين في واشنطن وبالتالي إلغاء زيارة القائد، فان المصادر تعود لتؤكد بان ما حصل هو بمثابة إرسال رسالة واضحة للطبقة السياسية بأن المجتمع الدولي يراقب عن كثب التقدّم في خطة الجيش اللبناني الذي هو بصدد تنفيذها مع وجوب تحقيق الالتزامات المطلوبة منه دون أي تراجع.
وتشير المصادر، ان أمام لبنان اليوم فرصة للانخراط في مفاوضات جادّة مع إسرائيل، وهي خطوة يراها البعض حاسمة لتحقيق الاستقرار الإقليمي، خصوصاً مع العزم الأميركي وبالتحديد الرئيس دونالد ترامب على إرساء السلام في المنطقة.
من هنا وباختصار، فإن لبنان اليوم يقف عند مفترق حاسم بين الالتزام بالمعايير الدولية لحصر السلاح بيد الدولة، وبين المخاطرة بمستقبله الداخلي والإقليمي إذا ما تأخّر في اتخاذ القرارات المناسبة. فالاعتداءات الإسرائيلية المستمرة، والتحذيرات الدولية، والتحديات الاقتصادية والأمنية، كلها مؤشرات على أن الوقت قد ضاق، وأن الدولة اللبنانية مطالبة بالتصرف بحسم وسرعة، والفشل في ذلك قد يضع لبنان في مأزق أكبر، ويهدّد استقراره السياسي والأمني لعقود قادمة.
فالمرحلة الحالية تتطلب تعاوناً وطنياً شاملاً، فالفرصة أمام لبنان للانخراط في السلام الإقليمي واستعادة استقراره الداخلي لا ينبغي تفويتها، وإلّا فإن المخاطر ستستمر في التفاقم، وسيظل مستقبل الدولة رهينا للتوترات الإقليمية والصراعات الدولية.