د. محمد دوغان
لم يعد ممكناً توصيف ما يجري في لبنان بأنه « انخراط محدود» أو «اشتباك مضبوط». فالحرب التي اندلعت على وقع المواجهة الأميركية–الإسرائيلية مع إيران، سرعان ما تمددت داخل الجغرافيا اللبنانية لتشمل الجنوب والبقاع وصولاً إلى العاصمة. ومع هذا التوسع، سقطت كل السقوف النظرية، ودخل لبنان فعلياً مرحلة الحرب المفتوحة بكل ما تحمله من تداعيات وجودية.
في هذا المشهد المتفجر، يتقدم دولة الرئيس نبيه بري إلى واجهة الحدث، لا كرئيس لمجلس النواب فحسب، بل كأحد آخر مراكز الثقل القادرة—نظرياً—على محاولة لجم الانهيار الشامل، غير أن التحدي الذي يواجهه اليوم يتجاوز قدرات أي لاعب داخلي: فهو لا يدير أزمة سياسية، بل يتعامل مع حرب تتسع جغرافياً وتتعقد استراتيجياً.
إطلاق حزب الله الصواريخ من جنوب لبنان لم يكن حدثاً معزولاً، بل شكّل نقطة تحوّل نقلت البلاد من موقع المتأثر إلى موقع المنخرط بالكامل. ومع توسع الردود العسكرية وتبادل الضربات، لم يعد بالإمكان الحديث عن قواعد اشتباك تقليدية، بل عن مسار تصعيدي مفتوح على احتمالات غير محسوبة.
هنا، تتبدل وظيفة الرئيس بري جذرياً، لم يعد «مدير توازنات» بالمعنى الكلاسيكي الذي عرفه لبنان منذ ما بعد اتفاق الطائف، بل بات أقرب إلى «مدير أزمة وجودية»، يحاول—بهوامش شبه معدومة—منع الانزلاق إلى انهيار كامل للدولة. غير أن الواقع الميداني يفرض إيقاعه: فكلما اتسعت رقعة الاستهداف، تراجعت قدرة السياسة على الإمساك بالمسار.
المعضلة الأساسية التي يواجهها الرئيس بري اليوم تكمن في اختلال ميزان القرار. فالحرب التي تدور على الأرض اللبنانية لم تعد محكومة فقط بحسابات الداخل، بل أصبحت جزءاً من صراع إقليمي واسع، تتداخل فيه استراتيجيات دولية وأجندات عابرة للحدود. وفي ظل هذا الواقع، يتراجع دور المؤسسات، ويصبح تأثير اللاعبين المحليين—بمن فيهم الرئيس بري—محدوداً أمام ديناميات التصعيد.
في الداخل، تبدو الصورة أكثر قتامة، فامتداد العمليات العسكرية إلى البقاع والعاصمة يعني عملياً سقوط مفهوم المناطق الآمنة، ويفتح الباب أمام تداعيات اقتصادية وأمنية واجتماعية كارثية، ومع هشاشة البنية الدولة أصلاً، يصبح خطر التفكك الداخلي موازياً لخطر الحرب نفسها.
أما في علاقة الرئيس بري مع حزب الله، فإن التحدي لم يعد في ضبط الإيقاع، بل في القدرة على التأثير في مسار حرب تتجاوز حدود القرار المحلي. فمع انتقال المواجهة إلى مستوى أوسع، يصبح السؤال أكثر قسوة: هل ما زال هناك مجال لدور سياسي قادر على التأثير، أم أن منطق الحرب بات هو الحاكم الوحيد؟
خلاصة المشهد اليوم ان دولة الرئيس نبيه بري يقف أمام لحظة غير مسبوقة: ليس بين خيارين، بل أمام واقع يفرض نفسه بقوة النار. لم يعد السؤال إن كان يستطيع منع الحرب—فهي باتت قائمة ومتمددة—بل إن كان قادراً على الحد من تداعياتها أو تقصير أمدها.
في لبنان اليوم، لا تُدار الأزمات… بل تُختبر حدود البقاء. والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل ما زالت هناك دولة يمكن إنقاذها، أم أن الجميع بات يدير سقوطاً كبيراً بلا قدرة على إيقافه؟