في لحظة هي الأكثر قتامة في تاريخ إيران، وفي ذروة المواجهة العسكرية المفتوحة بينها وبين الولايات المتحدة وإسرائيل، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس رسمياً أمس الثلاثاء عن تصفية «الرجل القوي» وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني.
الضربة الجوية التي استهدفت العاصمة طهران ليل الاثنين، لم تكن مجرد عملية اغتيال لمسؤول أمني رفيع، بل كانت استهدافاً مباشراً لـ «العقل الاستراتيجي» الذي تسلّم زمام المبادرة لترميم تصدعات الدولة عقب مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في الأيام الأولى للحرب، مما يضع النظام الإيراني أمام «معضلة وجودية» غير مسبوقة.
• الباسيج: ضربة موازية في قلب الحرس
بالتزامن مع استهداف لاريجاني، كانت الغارات الإسرائيلية تطال الجناح الأمني الأكثر حساسية وتغلغلاً في النسيج الاجتماعي الإيراني. فقد أعلن الجيش الإسرائيلي عن القضاء على قائد قوات «الباسيج» التابعة للحرس الثوري، غلام رضا سليماني، في ضربة جوية دقيقة نُفذت داخل طهران بتوجيه استخباراتي مباشر من هيئة الاستخبارات العسكرية (أمان).
وبحسب تقارير القناة 14 الإسرائيلية، فإن الغارة أدّت إلى مقتل عشرة قادة آخرين من الرعيل الأول في «الباسيج»، من بينهم نائبه، وذلك خلال اجتماع سري كان يضم قادة المناطق والمحافظات. تكمن خطورة هذه الضربة في توقيتها؛ فالباسيج هو «العمود الفقري» للنظام في مواجهة أي تحركات احتجاجية داخلية. وباستهداف قيادته العليا، يبدو أن إسرائيل تهدف إلى شل قدرة النظام على ضبط الشارع الإيراني المنهك من الحرب والعقوبات، مما يفتح الباب أمام احتمالات الفوضى الداخلية بالتزامن مع الضغط العسكري الخارجي.
لاريجاني: «الناجي الأخير» ومهندس المرحلة الانتقالية
تكتسب شخصية علي لاريجاني أهمية استثنائية تتجاوز منصبه الرسمي. فهو «فيلسوف النظام» والمفاوض النووي المخضرم الذي ينحدر من سلالة سياسية عريقة. وبرز لاريجاني كـ «قائد الأمر الواقع» (De Facto) عقب الضربة الاستراتيجية التي طالت الهرم القيادي قبل أسابيع.
منذ مطلع آذار، نجح لاريجاني في ملء الفراغ السيادي عبر تشكيل «لجنة إدارة الأزمة»، محاولاً التنسيق بين الأجهزة البيروقراطية المنهكة والقيادات العسكرية الميدانية. لقد كان يمثل «صمام الأمان» الوحيد القادر على لجم الفوضى، مستفيداً من خبرته الدبلوماسية لنيل ثقة الأجنحة المتصارعة. حتى أن واشنطن كانت قد وضعت مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عنه، إدراكاً منها لخطورة الدور الذي بات يلعبه كـ «محرك أساسي» لبقاء الدولة في ظل التفكك المتسارع.
• القرار بات للحرس الثوري
خلف جدران المقرات الرسمية المحصنة في طهران، وقبل لحظات من الاغتيال، كانت تدور حرب صامتة لا تقل ضراوة عن المواجهة الميدانية. لاريجاني، الذي كان يمثل «بقايا التيار الدبلوماسي» والبراغماتية السياسية التي أسّسها رفسنجاني سابقاً، وجد نفسه في مواجهة مباشرة مع جنرالات الحرس الثوري الذين باتوا يرون في أي حديث عن «الدبلوماسية» أو «الواقعية» خيانة لدماء القادة الراحلين.
كان لاريجاني يقود تياراً يرى ضرورة فتح قنوات اتصال خلفية مع القوى الدولية لمنع الغزو البري الشامل، معتبراً أن بقاء «كيان الدولة» أهم من الشعارات الأيديولوجية في هذه المرحلة الوجودية. في المقابل، دفع قادة الحرس نحو خيار «الرد الانتحاري» وتفعيل كافة الجبهات الإقليمية دفعة واحدة، معتبرين أن لاريجاني يحاول سلبهم صلاحياتهم الاستثنائية التي اكتسبوها بعد غياب المرشد. اغتياله اليوم ينهي هذا التوازن الهش، ويترك الساحة مفتوحة لسيطرة مطلقة لـ «العسكر» الذين قد لا يجدون في قاموسهم سوى لغة المواجهة الوجودية.
• الامتداد الإقليمي: من طهران إلى ضاحية بيروت
لا يمكن فصل اغتيال لاريجاني عن المسار التصعيدي في لبنان. فالمسؤول الإيراني كان حلقة الوصل الرئيسية بين قيادة الحرس الثوري وبين «حزب الله» في نسخته الجديدة بعد الاغتيالات التي طالت كوادره. وكان لاريجاني هو المشرف المباشر على خطة «تذخير الجبهات» وضمان استمرارية الإسناد رغم الحصار الجوي.
اليوم، ومع فقدان «العقل المخطط» في طهران، تجد الجبهة اللبنانية نفسها أمام «يتم قيادي» مزدوج. فالفراغ الذي تركه لاريجاني سينعكس حتماً على سرعة اتخاذ القرار السياسي والميداني في الضاحية الجنوبية، خاصة وأن لاريجاني كان يمثل «صوت العقل» الذي يوازن بين الرغبة في التصعيد وبين الحفاظ على ما تبقى من بنية تحتية للمحور.
• أعلى قتيل منذ غياب «المرشد»
يُعدّ لاريجاني أرفع مسؤول إيراني يُقتل منذ اغتيال المرشد علي خامنئي. وأكد وزير الدفاع الإسرائيلي أن هذه العمليات تأتي ضمن استراتيجية «قطع رأس الأخطبوط»، واصفاً إياها بـ «الضربة القاضية لمنظومة القيادة والسيطرة». وبينما احتفت الأوساط الإسرائيلية بهذا «الإنجاز الاستخباراتي»، ساد صمت رسمي مشوب بالارتباك في طهران، تخلله نشر رسالة غامضة بخط يد لاريجاني عبر منصة «X» بعد ساعة من الغارة، في محاولة اعتُبرت يائسة للتغطية على حجم الخسارة أو كسب الوقت لترتيب صفوف الخلافة المبعثرة.
• سقوط صمام الأمان
باغتيال لاريجاني وسليماني، تفقد إيران آخر الشخصيات التي تملك «الشرعية الثورية» والخبرة التكنوقراطية في آن واحد. كان يُنظر إلى لاريجاني كـ «صمام أمان» يمكنه إدارة انتقال السلطة بحد أدنى من الخسائر. واليوم، يترك رحيله طهران أمام سيناريوهات قاتمة:
- حكم العسكر المطلق:
صعود قيادات الحرس الثوري (مثل أحمد وحيدي أو محمد باقري) لإدارة البلاد بعقلية أمنية صرفة، مما يعني نهاية أي فرصة للتفاوض.
- التفكك الإداري والمؤسساتي:
خطر الانهيار نتيجة غياب شخصية إجماعية قادرة على لجم صراع الأجنحة المشتعل بين الحرس وبقايا الدولة العميقة.
• إيران في مواجهة المجهول
لطالما وُصفت عائلة لاريجاني بأنها «كينيدي إيران» نظراً لتغلغل أبنائها في مفاصل القضاء والبرلمان والأمن. ومع غياب علي لاريجاني في هذا التوقيت الحرج، يطوى فصل أساسي من فصول السلطة في طهران، لتفتح الباب أمام مرحلة «كسر العظم» الشاملة. المنطقة اليوم، من ضواحي بيروت التي تئن تحت القصف إلى قلب طهران النازف، تقف على فوهة بركان، بانتظار رد الفعل الإيراني الذي لن يحدد فقط مصير النظام، بل قد يعيد رسم وجه الشرق الأوسط لسنوات قادمة.