بين «المطرقة والسندان»!
حجم الخط
نشأتُ وتربّيتُ، عن وعيٍ وقناعة راسخة، على رفض المشروع الصهيوني وعدائه المطلق للعرب والمسلمين. وفي الوقت ذاته، تشكّلت قناعتي التاريخية والسياسية بأن المشروع الإيراني، بصيغته الثورية القائمة على «ولاية الفقيه»، يحمل بدوره طموحات توسعية تتناقض كلياً مع مصالح العرب واستقلال قرارهم الوطني.
لذلك، أرفض تماماً أن أُوضع بين مطرقة هذا وسندان ذاك. إن محاولات حصر الخيارات العربية بين هذين المشروعين هي خديعة بصرية، ومنطق المفاضلة القائم على أن «أحد الخطرين أهون من الآخر» هو استسلام فكري أرفضه جملة وتفصيلاً، ببساطة... أنا ضد الطرفين معاً.
أدرك جيداً أن كلا المشروعين يتحرك وفق أجندة خاصة تسعى لتوسيع النفوذ على حساب مقدراتنا، وأن الاصطفاف مع أحدهما ليس حماية، بل هو تأجيلٌ للمواجهة وخضوعٌ مؤقت ينتهي بانتهاء حاجة المهيمن لوكلائه المحليين. فالمشروع الصهيوني يمثل الاستعمار الإحلالي الذي يستهدف الأرض والهوية والحقوق التاريخية بالاحتلال العسكري المباشر، بينما يتغلغل المشروع الإيراني لمدّ نفوذه السياسي والعقائدي عبر شبكات الولاء والتنظيمات المسلحة، عازفاً على وتر تفكيك الدولة الوطنية من الداخل لتحويل العواصم العربية إلى هوامش تابعة لمركز القرار. الأول يفرض هيمنته بالحديد والنار، والثاني يرسّخها بالأيديولوجيا والميليشيات والحروب بالوكالة.
لقد علّمتنا التجارب كيف تحوّلت أنظمة وفصائل عربية إلى مجرد أوراق ضغط وتفاوض في أيدي هذه القوى الإقليمية، ففقدت سيادتها، وتبخّرت أولويات شعوبها أمام حسابات العواصم الخارجية.
وهنا تحديداً، يبرز التذرّع بالواقع العربي المأزوم، حيث يروّج البعض لـ «حتمية الاستسلام» بدعوى أن العرب جسد مفكك ومنهك لا يقوى على المواجهة. لكن هذا التدليس الفكري يخلط بين السبب والنتيجة، فقوة المشاريع الإقليمية المحيطة بنا لا تنبع من تفوّقها الذاتي المطلق، بل هي انعكاس مباشر للفراغ الذي تركناه، وتتغذّى وجودياً على تشرذمنا. إن صناعة «وهم العجز» هي السلاح الأول للمحاور لشرعنة اختراقها لبلداننا، والقبول بالتبعية بحجة الضعف هو انتحار طوعي، إذ كيف يُشفى الكسير بالارتماء تحت أقدام من يطمع في مصادرة قراره وهدم بيته؟
ومن هنا، أرفض أن أكون جزءاً من هذا الاستقطاب الحاد الذي يحصر مصيرنا بين خيارين أحلاهما مُرّ، وبين مشروعين لا يعبّران عن طموحات الأمة العربية ولا مصالحها الحقيقية.
أنا عربي مسلم، لا أقبل وصاية صهيونية تسلبني أرضي، ولا وصاية إيرانية تصادر عقيدتي وقراري السياسي. ديني أسمى من أن يُؤمّم لصالح أجندة إقليمية، وأرضي أقدس من أن تكون مشاعاً لأحد أو ساحة لمشاريع العبث الخارجي. وموقفي هذا ليس حياداً سلبياً، بل هو انحيازٌ كامل لاستقلال الإرادة العربية.
سأبقى على مسافة واحدة من الخطرين: أرفض الاحتلال والعدوان أينما كان، وأواجه مشاريع الهيمنة والتغلغل التي تتخفى خلف الشعارات الدينية أو الثورية البرّاقة. فكرامة الأمة لا تُصان بالارتهان للمحاور، بل ببناء مشروعها الذاتي المستقل القائم على الحرية، السيادة، والمصلحة الوطنية العليا.
ومن يريد فهم موقفي، فليعلم أنني لست محايداً بين الحق والباطل، بل أنا منحازٌ بالكامل لهوية هذه الأمة وحق شعوبها في تقرير مصيرها. أرفض أن أكون وقوداً في حروب الآخرين، أو تابعاً لمشاريع لا تمثلني، سواء تترست وراء راية الصهيونية، أو تلحفت بشعار «ولاية الفقيه».
نبضنا عربي، وقرارنا يجب أن يبقى عربياً خالصاً.






